كنت قد تقبلت الدعوة للتظاهر و الثورة يوم 25 يناير بنوع من الحيرة بين قرار النزول و او البقاء فى المنزل و كتبت عن هذا الموضوع تحت عنوان يوم 25 يناير..ليه تنزل الشارع؟ و ليه تقعد فى البيت؟ موضحا وجهتا النظر اللتان تتصارعا داخلى و لكننى فى النهاية اتخذت القرار بالنزول
إستيقظت مبكرا هذا اليوم على رسالة على المحمول من صديق لى يعمل بإحدى شركات المحمول ينبهنى فيها إلى ان ارقام صفحة من صفحات الفيسبوك المعارضة للنظام و التى وضعتها الصفحة للتنسيق تم حجبه كما نبهنى إلى ان الحكومة سوف تقوم بحجب الاتصالات فى اماكن إستراتيجية لتمنع التظاهرين من التواصل مع بعضهم البعض و طلب منى توصيل هذه المعلومة للمسئولين عن الصفحة عن طريق البريد الالكترونى ففعلت
بدات اتابع الاخبار على تويتر و الفيسبوك لمعرفة اماكن التظاهر النهائية خصوصا ان الاسكندرية كان بها مشكلة تنظيمية كما علمت بعد ذلك من احد اصدقائى فى احدى الحركات السياسية مما ادى لتأخر الإعلان عن أماكن التظاهر بالاسكندرية فبعد ان كانت ميدان محطة مصر و ميدان المنشية تغيرت فى اخر لحظة الى ميدان الساعة و ميدان المنشية و عرفت هذا الخبر وأنا فى طريقى بالفعل إلى ميدان محطة مصر فتحدثت مع اصدقائى الذين كنت نسقت معهم للذهاب الى المظاهرة واخبرتهم ان مكان اللقاء تغير من ميدان محطة مصر كما كنا ننوى الى ميدان الساعة و حددنا مكان اللقاء فى فيكتوريا و بالفعل تقابلت معهم هناك حوالى الساعة الواحدة و النصف او الثانية ظهرا و كنا حوالى سبعة اشخاص و بالاضافة لصديقة تواصلت معى على الفيسبوك و رغبت بشدة فى الذهاب للمظاهرة و لكنها لم تكن تريد الذهاب وحدها و نسقت معها رغم محاولاتى فى البداية لإقناعاها بخطورة الامر خصوصا و انها المرة الاولى لها
بعد ان تقابلنا فى فيكتوريا توجهنا لميدان الساعة فلم نجد تظاهرات بل وجدنا عربات الامن المركزى و انتشار للأمن بملابس مدنية فى الميدان و فى مداخله فاجريت اتصال بصديق لى أساله ان كانت هناك تحديثات للاماكن على الانترنت فقال لى ان هناك تظاهرات فى العصافرة
ركبنا القطار و توجهنا للعصافرة فلم نجد شىء و ان كان قال لنا بعد المارة انه كانت هناك مظاهرة و تحركت وما عرفته بعد ذلك ان هناك مظاهرة بالفعل بدأت من العصافرة بعدد صغير ثم اصبحت من ضمن المظاهرات الكبيرة بعد ذلك
فى تلك اللحظة اصابنا الاحباط و ظننت ان المظاهرات فى الاسكندرية فشلت بسبب عدم التنظيم و ممازاد احباطى معرفتى ان القاهرة بها مظاهرات قوية جدا بينما الاسكندرية سيكون التنظيم فيها فاشل..اجريت اتصال بصديقى محمد على و كان قد اخبرنى انه سيذهب للتظاهر فى ميدان المنشية و انا لم اذهب لميدان المنشية منذ البداية لاقتناعى بانه مكان سىء للتظاهر و سهل جدا ان تحاصرنا فيه قوات الامن المركزى المهم اننى عندما اتصلت به وجدت حواله هتاف قوى جدا و لم يكن يسمعنى و لكنه اخبرنى انه الان فى محطة الرمل و ان هناك مظاهرة كبيرة جدا و قوية فخفق قلبى فرحا واتجهت انا و من معى للمنشية
عندما توقف بنا الميكروباص فى المنشية لم اجد اعداد فى ميدان الجندى المجهول فعبرنا الطريق متجهين ناحية المحكمة و كنت حتى هذه اللحظة اشعر بان الموضوع لن يتجاوز مظاهرة عددها محدود حتى و انا كانت كبيرة فمقياسنا للمظاهرة الكبيرة فى ذلك بضع مئات و ربما الف او الفين و لكننى عندما وصلنا إلى المحكمة خرج لنا من الشارع المجاور لها اعداد رهيبة من المتظاهرين لم ارها من قبل فى اى مظاهرة شاركت فيها بإستثناء مظاهرة الشهيد خالد سعيد اما مسجد سيدى جابر
انضممنا للمظاهرة التى كانت تتجه ناحية ميدان الجندى المجهول و اكن هناك عربات امن مركزى تعج بالجنود و لكنها غالبا فوجئت بالاعداد الكبيرة فلم يستطع الجنود عمل كردون و مرت المظاهرة بجانب عربات المان المركزى دون اى احتكاك
سارت المظاهرة التى كان عددها فى هذه اللحظة على ما اعتقد اكثر من اربعة الاف حتى وصلت لميدان الجندى المجهول و سارت فى شارع الغرفة التجارية من المنشية حتى محطة الرمل فى منظز مهيب لم اراه من قبل
و رغم كل اللحظات التاريخية و المشاعلر الجميلة التى مررت بها اثناء هذه الثورة الا ان مشاعرى فى اللحظات التى انضممت فيها للمظاهرة الاولى يوم 25 يناير كانت الاقوى على الاطلاق لا ينافسها فى القوة سوى مشاعرى يوم التنحى و ذلك لأننى انتقلت من حالة يأس بعد البحث عن المظاهرات لمدة ساعتين إلى حالة من الانتعاش بالانضمام لمظاهرة كبيرة العدد جدا بالنسبة لما كنت اتوقعه بالاضافة كونها مظاهرة تحتوى على جميع اطياف الشعب المصرى و جميع الاعمار فاحسست وقتها فعلا بالقوة المستمدة من انتمائى لمن يحيطون بى و انتمائنا جميعا لنفس الوطن و المطالب و الاهداف
سارت المظاهرة و الهتافات مستمرة حتى وصلنا لميدان محطة الرمل و بدا الشباب فى الصعود على اعمدة النارة لازالة صور جمال مبارك على مراى من الامن المركزى الذى كان يقطع علينا طريق العودة لشارع صفية زغول فى التقاطع امام تريانون ليمنعنا من الانضمام لمظاهرة اخرى..حدثت بعض الاحتكاكات مع الامن المركزى و اصيب البعض و لم نستطع العبور من الامن المركزى فاقترح البعض الخروج لطريق الكورنيش او الاستمرار بجانب شريط الترام لنكمل المسيرة فى شارع بورسعيد و هذا ماحدث
اتخذنا طريقنا لشارع بورسعيد و بدات الاعداد فى التزايد بشكل كبير و كانت مظاهرة جميلة جدا و كنت اشعر بنشوة قوية جدا خصوصا و انا ارى كل الاعمار و الفئات من حولى تهتف بصوت واحد يهز الارض من تحتنا و الناس فى الشرفات تلوح لنا مؤيدة و تلقى لنا بالمياه و الطعام..هذه لحظات من افضل اللحظات التى مررت بها فى حياتى
استمرت مسيرة المظاهرة فى شارع بورسعيد و عندما وصلنا كيلوباترا بدات اتسائل بالفعل عن الامن و لما ذا لم نر احدا منهم حتى الان و جائنى الجواب فى صورة عربات مدرعة كانت تسير على مسافة من نهاية المظاهرة فى شارع بورسعيد و لكننى لم اراهم لاننى كنت فى منتصف المظاهرة التى امتدت على مسافة طويلة جدا بشارع بورسعيد
جائنى اتصال هاتفى من صديق لى يخبرنى بان الوضع فى القاهرة و الاسكندرية مشتعل و انا هناك احتكاكات قوية مع الامن فاخبرته بمكانى و اننا لم نحتك بعد مع الامن
استمرت المظاهرة حتى وصلنا الى اخر شارع بورسعيد قبل مسجد سيدى جابر بقليل و كان الوقت بعد صلاة المغرب بحوالى ساعة و هنا كان فى انتظارنا كردون امن مركزى ورائه عدد من عربات الامن المركزى و الضباط فتوقفنا و بدان بالهتاف سلمية و بدا الناس يهتفون بالمتظاهرين خصوصا فى الصفوف الاولى التى تواجه الامن المركزى بعدم الاحتاكاك بهم بهم و بالفعل لم يحتك بهم احد و كنت انا فى الصف الثالث او الرابع بعد الصف المواجه للامن المركزى
بدات الامور فى التوتر مع رغبة المظاهرة فى التحرك خصوصا عندما راينا ان الكردون يفصل بيننا و بين مظاهرة اخرى كبيرة على الجانب الاخر و انفجر الموقف عندما بدأ القاء للطوب من وراء جنود الامن المركزى فرد المتظاهرون بالقاء زجاجت الماء الفارغة فبدأ هجوم الامن المركزى علينا بالهروات
عندما بدا الهجوم بدانا فى الجرى فى الاتجاه المعاكس لنجد ان العربات المصفحة التى كانت تسير خلف المظاهرة قد شقت المظاهرة و افتربت جدا مننا و اصبحنا محاصرين و كان هناك جنود مطلين من اعلى هذه العربات المصفحة يطلقون النار فى الهواء وسط صراخ من الفتيات و هتاف من احد الشباب " احموا البنات..احموا البنات" و تلقيت فى هذه اللحظة ضربة من احدى الهراوات على ذراعى و سمعت صوت احد المخبرين و هو بشتم المتظاهربن فالتفت ناحيته و فوجئت بانه كان من الذين يسيرون معنا فى المظاهرة
استطاع الكثيرين الهرب من الشوارع الجانبية ناحية البحر و ناحية الترام و لكن انا ومجموهة اخرى تكدسنا على الرصيف متزاحمين و بدأ الناس فى الدخول فى الممرات الجانبية للعمارات و انا شخصيا حوصرت على الرصيف ثم استطعت الدخول بعد ذلك انا و مجموعة من الاشخاص الى ممر عمارة جانبى و كنا حوالى ثلاثين او اربعين شخص محاصرين فى هذا الممر و كان معنا حوالى ثلاثة مصابين
ادركنا الان اننا محاصرين خصوصا منع وقوف رجال الامن على فتحة الخروج من الممر و بجانب الفتحة عربة ترحيلات كنت اظن ان اى احد يخرج من فتحة الممر سيركب هذه العربة و كانت هناك فتحة فى الممر من الخلف تطل على شارع جانب حاولنا الخروج منها و لكنها كانت محاصرة بجنود الامن
استطاعت الفتيات بعد فترة الخروج من الممر و كنا نحاول اسعاف لمصابين و بدأ الناس فى العمارات المطلة على هذا الممر الجانبى فى القاء المياه و اى ادوات اسعاف ممكنة من الشرفات
استطعنا افاقة المصابين و استطاعوا الخروج من الممر و بعد فترة من الوقت هدأت الامور و استطعت انا وصديق لى الخروج من الممر دون ان يتعرض لنا احد و راينا احد الضباط المصابين و رايت المخبر الذى مكان يسير معنا فى المظاهرة و هو يحمل جهازا لاسلكيا
عندما خرجنا من المرر رأينا نهاية شارع بورسعيد حدثت عندها نقطة الصدام و عربانت الامن المركزى تنتشر فيها حوالى عربتان او ثلاثة و الكثير من الطوب المكسر فى المنطقة التى كان يقف فيها جنود الأمن المركزى و رأيت انا و صديقى بعض من يقبض عليهم و يوضعون فى عربة الترحيلات و كان رأى صديقى ان نحاول ان نخرج إلى الكورنيش من شارع جانبى و لكن تناقشنا و فى النهاية خرجنا من شارع جانبى إلى محطة ترام سيدى جابر و فوجئنا و نحن على وشك الخروج من هذا الشارع الجانبى بتجمع لجنود الامن المركزى حول شخص يحتكون به أقتربنا قليلا لنستوضح من هو فأتضح انه المستشار محمود الخضيرى و لا ادى هل كان معنا فى نفس المظاهرة ام انه كان فى المظاهرة الاخرى التى كانت تحاول الانضمام لنا و لكن تدخل احد الضباط ليفك الاحتكاك و تزاحم الجنود حول سيادة المستشار
خرجنا بعد ذلك انا و صديقى إلى محطة ترام سيدى جابر لنجد اعداد كبيرة جدا على المحطة و يتناقشون فيما بينهم كيف يتوجهون بعد ذلك فكان القرار ان ندخل الى سوق زنانيرى نحاول تجميع اعداد لنستطيع بعد ذلك ان نخرج لشارع ابى قير مرة اخرى
بالفعل توجهنا لسوق زنانيرى و سرنا فيه حتى خرجنا إلى شارع إبى قير من كيلوباترا و علمنا بوجود اعداد كبيرة اخرى تنتظر فى سبورتنج او الابراهيمية..فى هذه الاثناء كنت اشعر بإعياء شديد و شد عضلى فى ساقى فقررت إنى لن استطيع ان اكمل و اريد ان ارتاح قليلا فقررت ان اركب اى مواصلة ذاهبة فى اتجاه العصافرة حيث اسكن و اذا شعرت ببعض الراحة من الممكن ان انزل فى منتصف الطريق لأنضم لأى من المظاهرات التى علمنا انها الأن فى انحاء كثيرة من الإسكندرية فأفترقت مع صديقى الذى كان سيتجه ناحية الابراهيمية لينضم للمظاهرات هناك و اتفقنا ان نتواصل معا بالموبايل لتحديث الاخبار
بالفعل ركبت احد المشاريع من شارع ابى قير و الذى كان يسير ببطء شديد نتيجة لزحام العربات التى كانت تسير ببطء نتيجة لمظاهرة كبيرة ايضا تاتى فى شارع ابى قير من ناحية رشدى و كان المتظاهرون يتكلمون مع كل من فى السيارت يطالبوهم بالإنضمام لهم
كان يدور حديث فى المشروع حول المظاهرات و تعرفت على شخص عائد ايضا من مظاهرة و يعمل صيدلى يسكن بالصدفة بالقرب منى و رايت على موبايله فيديو تكسير صورة مبارك الكبيرة الذى انتشر على اليوتيوب بعد ذلك و اكد لى انه اول مرة ينزل فى مظاهرات و انه رغم انه غير متضرر مباشرة من حكم مبارك و لديه صيدلية و "مستورة الحمد لله" الا انه نزل لكى يعبر عن رفضه للظلم و الفساد الذى يسبب ارتفاع نسبة الفقر و سيؤدى من وجهة نظره إلى حدوث ثورة الجياع و قال لى بالنص " لازم نخرج احنا قبل ما يخرج الناس دى..الناس دى عايشين زى الدود و لو خرجوا قبلنا هياكلونا احنا الاول قبل ما ياكلوا الحكومة"
خلال الطريق كنت على إتصال مع صديقى و كان يؤكد لى ان الاعداد كبيرة و فى إزدياد و انه لا يوجد إحتكاك اخر مع الامن حتى الان حتى المكالمة التى قال لى فيها و صوته متوتر جدا ان هناك ضرب نار و ناس بتحاول تقتحم قسم باب شرق ثم انقطع الاتصال
الاتصال التالى منه حدثنى صديقى فيه من عربة الترحيلات بمجرد دخولى للمنزل و طلب منى التصرف فسألته عن عددهم و إلى اين تأخذهم عربة الترحيلات لإاجاب بانهم حوالى 50 شخص أعطانى أسماء 3 اخرين معتقلين معه اعرفهم ثم انقطع الاتصال معه
حاولت الاتصال بأرقم محامين جبهة الدفاع عن متظاهرى مصر و لكنى وجدت معظمها خارج الخدمة فقمت بالاتصال على الرقم الارضى لمركز هشام مبارك و أبلغتهم بالمعلومات التى لدى حول المعتقلين فى الإسكندرية
كلمتنى زوجة صديقى الذى تم إعتقاله تسأل عنه لأن هاتفه مغلق فلم أستطع إجابتها و قلت لها انى ساحاول اعرف مكانه و اعاود الاتصال بها
بعد قليل إتصل بى صديقى و عرفت انه استطاع ان يدخل معه الموبايل داخل الزنزانة (لا اعرف حتى الان كيف فعلها) و لكن من خلال هذا الموبايل أستطعنا معرفة مكانهم و هو مديرية الامن القديمة و من خلال هذا الموبايل ايضا استطعنا معرفة اسماء المعتقلين و عددهم التقريبى على الاقل المتواجدين مع صديقى فى نفس الزنزانة و قمت بتوصيل هذه المعلومات لمركز هشام مبارك اولا بأول
استمررت فى محاولة الاتصال بجهات حقوقية و لإبلاغهم بأسماء و مكان المعتقلين فى الإسكندرية حتى حوالى الساعة الثانية صباحا عندما تلقيت إتصال اخر من صديقى يطلب تحويل رصيد له لكى يستطيع زملاؤه فى الزنزانة طمانة ذوييهم و بلاغهم عن مكانهم الحالى
تلقيت إتصال اخر من زوجة صديقى فلم استطع ان أكذب عليها و اخبرتها لما حدث و انى اتصلت بجهات حقوقية و ان الموضوع مسألة وقت و سيخرج ان شاء الله
فى حوالى الساعة الثالثة صباحا تلقيت إتصال من رقم غريب و كان المتصل رجل يسألنى عن ابنه الذى خرج فى مظاهرات اليوم و لم يعد حتى الأن و اخبرنى ان ابنه فى حركة دعم البرادعى و ان وجد رقمى فى اوراق ابنه و عندما اخبرنى عن اسم ابنه لم استطع تذكره و لكنى اخبرته ان معظم الذين تم اعتقالهم الان فى الأسكندرية موجودين بمديرية الامن القديمة و انى اتصلت بجهات حقوقية لترسل لهم محاميين و حاولت طمأنته قدر الامكان
فى حوالى الرابعة صباحا تلقيت إتصال اخر من نفس الرجل من امام مديرية الامن القديمة يقول لى ان العساكر ينكرون وجود معتقلين بالداخل و لكنى اكدت له المعلومة و اوضحت له ان العساكر بالتاكيد سينكرون وجود اى احد بالداخل و قمت بإعطاءه رقم صديقى المحتجز بالداخل ليحاول الاتصال به ربما يجد ابنه معه فى نفس الزنزانة
لم اعرف كيف استطعت النوم فى هذا اليوم و لكنى اعتقد انى انهرت من شدة الضغط العصبى و الأرهاق