20 June, 2009

من تكره هذا المساء؟


عزيزى الانسان...من تكره هذا المساء؟

هل انت مسلم وهابى متعصب فتكره الشيعة و المسيحين و تحقر المرأة؟ ..هل انت من غلاة الشيعة فتكره السنة و الصحابة و تسبهم بأقذع الالفاظ؟ هل انت مسيحى متعصب فتكره المسلمين و تراهم كائنات متعطشة للدماء و الشهوات يفرضون عقيدتهم بالارهاب و العنف؟ هل انت يهودى مصاب بعقدة الاضطهاد تكره كل الاجناس ماعدا اليهود و تراهم كائنات اقل فى الانسانية من اليهودى؟ هل انت لادينى قح يكره المتيدنين و يرى المتدين سبب فى تخلف و تأخر البشرية و سبب كل الشرورو فى الارض؟ هل انت ملحد متطرف يسفه المؤمنين و يحتقر كل من يعتقد بوجود اله خالق لهذا الكون؟

هل انت يسارى تكره الرأسمالى؟ هل انت مصرى يكره العرب؟هل انت شرقى يكره كل ماهو غربى؟ هل انت اصولى يكره كل مجدد؟ هل انت متحرر يكره كل متحفظ؟ هل انت ملتحى يكره كل غير ملتحى؟ هل انتى متبرجة تكرهى كل منتقبة؟ هل انتى محجبة تكرهى كل غير محجبة؟ هل انت جمهورى يكره كل ملكى؟ هل انت متعلم يكره كل جاهل؟ هلى انت ذكى يكره كل متوسط الذكاء؟ هل انت ليبرالى يكره كل مسلم سياسى؟ هل انت اخوان مسلمين يكره كل ليبرالى ؟ هلى انت سلفى يكره كل سنى؟ هل انت اهلاوى يكره كل زملكاوى؟ هلى انت اسمعلاوى يكره كل اهلاوى؟ هل انت بحراوى يكره كل فلاح؟هلى انت صعيدى يكره كل بحراوى؟


هل جاوبت بالايجاب على اكثر من سؤال من الاسئلة السابقة ؟

هل لو عكست الصفات فى بعض الاسئلة السابقة ستجاوب بالايجاب ايضا على بعض الاسئلة الاضافية ؟

لن احرجك و احرج نفسى ايضا بمحاولة معرفة كم الاسئلة التى ستجاوبها و ربما سأجاوبها معك ايضا بالايجاب

و لكن دعنا نسأل انفسنا سؤالا اضافيا ؟

لماذا؟

لماذا انت تكون مؤمنا او معتنقا لفكر او دين او مذهب او طريقة تفكير او حتى مشجعا لفريق كرة قدم يترتب عليه كرهك و احيانا احتقارك للفكر او الدين او المذهب المنافس او المضاد او طريقة التفكير المغايرة او حتى فريق كرة القدم المنافس؟

لماذا يكون الاخر بالنسبة لك هو عدو؟ .... و الاخر الذى اتحدث عنه هنا بالطبع ليس اخر يريد ان يحتل ارضك او يرهب ابناء شعبك او يضطهدك- فهذا قد يكون هناك مبرر ان تكرهه و تقاومه - و لكنى اتحدث عن الاخر دينيا او عقائديا او فكريا او مذهبيا و الذى لايضمر اى شر ناحيتك و لكنه مجرد يختلف معاك اختلاف قد يكون بسيطا او معقدا

ستقول لى: ان هذا الاخر بالفعل اضطهدنى و اراد اغتصاب ارضى و ظلمنى و ارتكب ارهاب ضدى و اراد فرض دينه او مذهبه او فكره على بالعنف و القوة

فأقول لك: لماذا تضع كل ابناء ديانة واحدة او مذهب واحد او فكر واحد بافراده المعتدلين و المتطرفين فى بوتقة واحدة و تكرههم جميعا بناء على فعل او عدة افعال من متطرفيهم ضدك..و اذا اخذا الامر بالعكس..اليس هناك اناس من جماعتك يرتكبون نفس الافعال التى ارتكبت ضدك ضد هذه الجماعة الاخرى..فلماذا لا ينصاع ايضا من هم مثلك ايضا فى الفريق الاخر لصوت العقل و يلجأون الى نفس اسلوبك فى التفكير

لماذا يتغلب صوت التطرف و الكراهية و العنف فى كل فريق على صوت الاعتدال و التسامح و الاتزان فى التفكير رغم ان غالبا ما يكون المتطرفين الذين يلجاون للعنف و يكرسون الكراهية هم اقل و لكنهم يدفعون الباقيين رغما عنهم الى نفس دائرة الكراهية و التعصب المفرغة التى لاتولد الا مزيد من الكراهية و التعصب و العنف

سبب هذه الغلبة لصوت التطرف و الكراهية هو خليط مابين اكثر من شىء اولا الوقوع تحت التأثير تاريخ الكراهية المتبادلة بين الفرق و المذاهب و استمرار إحياؤه و التذكير به و ثانيا هو شخصنة الاختلاف بين كل اتجاه و الاتجاه الذى يغايره فتصبح كراهيتك لفكرة او مذهب او معتقد مقترنة بكراهية اى شخص يؤمن و لو بجزء بسيط من هذا الذى تكرهه و ثالثا هو التعميم المخل بالحقيقة الذى يضع كل اصحاب دين او مذهب او فكر بمتطرفيهم و معتدليهم فى بوتقة و احدة و اعتناق افكار الكراهية سابقة التجهيز ضد هذه الجماعة و ترسيخها كنظرة احادية لهم و رابعا هو الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة و الرغبة الجامحة فى فرض هذه الحقيقة المطلقة على الاخرين و اخيرا هو عدم تقبل فكرة التعايش مع الاخر ايا كان ما يمثله هذا الاخر

هذا الخليط الرهيب ادى ان يكون الكره و افتراض سوء الظن و نفى الاخر سواء كان هذا الاخر مغاير فى الدين او المذهب او الفكر هو الاساس فى التعامل معه رغم ان المفروض ان يكون الاساس فى التعامل هو الحوار المتبادل للوقوف على نقاط الاتفاق و محاولة التقريب ليس بهدف ان يفرض اى من الطرفين وجهة نظره على الاخر او يثبت انه على حق و لكن بهدف ايجاد مساحة مشتركة بين الطرفين نستطيع ان نخرج منها باشياء تساعدنا على التعايش معا فهذا الاخر الذى يختلف معك بدجة تزيد او تنقص هو يتواجد معك و حولك طوال الوقت و فكرة انت تنفيه او تعاديه ليست هى الاختيار الامثل حتى على مستوى مصلحتك الشخصية فهذا يجعلك فى حالة استنفار و توتر و تهديد دائم و الحل الامثل هو الوقوف على نقاط مشتركة مع هذه الاخر تساعد كلا الطرفين على التعايش معا على نفس الارض و تحت نفس السماء

قد يرى البعض ان هذا الطرح ماهو الا طرح خيالى يوتوبى ليس له مجال على ارض الواقع و قد يرى البعض الاخر انه ضعف امام الفكر او المذهب المضاد و خيانة لمذهبه و فكره و عقيدته و قد يكون هذا الطرح بالفعل يحتوى نوع من السعى للمثالية و هذا فى حد ذاته ليس عيبا او شىء يحرج من يدعو اليه لأننا ندرك بالفعل ان الوصول لهذه الحالة بنسبة كبيرة قد يكون مستحيل و لكن هذا لا ينفى السعى للنموذج المثالى المطلق لاننا حتى لو تقاربنا له بنسبة خمسون او ستون بالمائة فهذا فى حد ذاته انجاز و من ناحية اخرى اكثر واقعية ليس التعايش مع الاخر المغاير لك فى المذهب او العقيدة او الفكر هو خيانة لما تعتنقه و ابدا لم يكن العنف و التعصب و التطرف هى الوسيلة الاكثر فاعلية فى تقديم مذهبك او فكرك للاخر المغاير لك بل بالعكس فالهدوء و الحوار العقلانى و التسامح بل و الحب احيانا يكون هو الطريق الاقصر للوصول لفكر و عقل الاخر و اقناعه بما تقدم له من فكر

28 February, 2009

حفل توقيع العدد الثالث من مدونات مصرية للجيب


دعوة لحضور حفل توقيع العدد الثالث من سلسلة مدونات مصرية للجيب

العدد الثالث بعنوان "انا انثى" و هو عدد خاص يناقش قضايا المرأة بأقلام عدد من المدونات النساء

الزمان
يوم الثلاثاء 3 مارس 2009
الساعة 4.30 عصرا

المكان
المركز الثقافى الدولى
17 ش السد العالى ميدان - الدقى
الشارع المقابل لشيراتون الجزيرة
اقرب محطة مترو انفاق محطة الاوبرا

لمتابعة اخبار الكتاب و حفل التوقيع قم بزيارة جروب الكتاب على الفيس بوك و تابع ايفينت حفل التوقيع على نفس الجروب

24 January, 2009

غزة وتخاذل الاستبداد



لا يختلف احد على وحشية الاحتلال الاسرائيلى فى عدوانه الاخير على غزة و الجرائم التى ارتكبت على مرأى و مسمع من العالم بأسره خلال الاسابيع الماضية

لا يختلف احد على عدالة القضية الفلسطينية و شرعية المقاومة و ضرورة دعمها بكل الطرق مهما كان المذهب الفكرى او الدينى التى تعمل من خلاله طالما كانت تعمل على مقاومة الاحتلال

لا يختلف احد على ان الحرب مكروهة و ان الجميع يرغب فى السلام الذى يوفر الاستقرار و يساعد على التفرغ للبناء و تعمير الارض و لكن احيانا نجد انفسنا مضطرين للحرب من اجل تحقيق السلام حيث يكون السلام الذى نعقده مع عدو من منطلق القوة فى الموقف و الردع المتبادل و الندية فى التعامل هو السلام الحقيقى القوى الذى يدوم اما السلام المبنى فقط على الرغبة فى السلام ايا كانت شروطه و ظروفه هو مجرد غطاء لواقع مخزى من الخضوع و الا ستسلام للعدو الاقوى

هذه النقاط السابقة لا لبس فيها..واضحة وضوح الشمس لكل من ينزه نفسه عن اى رغبة فى تشويه الحقائق لتتماشى مع نوازعه و رغباته

و رغم كل ذلك..لم يجد العرب ما يتفقوا عليه فى مواجهة العدوان الاخير على غزة.. لم يستطيعوا حتى ان يوحدوا الخطاب السياسى و الموقف المبدأى تجاه ما يحدث ناهيك عن اتخاذ قرارت عملية على ارض الوقع لمواجهة هذا العدوان و ربما يرجع هذا التعمق فى انشقاق الشق العربى هو ان الفلسطينين انفسهم لم يستطيعوا توحيد صفوفهم فى مواجهة اقصى درجات العدوان من العدو الاسرائيلى لنتسائل بمنتهى الدهشة اذا كانوا لم يتحدوا تحت هذه الظروف فمتى من الممكن لهم ان يتوحدوا..ربما بالفعل مذهب و نظرة كل منهما للامور على طرفى النقيض و لكن هذه الامور يجب السمو فوقها من اجل مصلحة الشعب خصوصا وقت التعرض للخطر المشترك بل من اجل مصلحة هذه الاطراف نفسها فاسرائيل لن تبدى طرف على الاخر اذا سنحت لها الفرصة القضاء على كلاهما

يجد البعض ميلا لمعسكر حماس و الدول المؤيدة لها و المسمى بمعسكر الممانعة لما يمثله من بقايا الكرامة العربية و التمسك بالمقاومة و رفض الخضوع و الاستسلام حتى و ان لم تمتلك اسباب القوة الكافية و رفض المبادرات و التسويات السلمية التى لم تعطى الكثير فى ظل تعنت و صلف اسرائيل و استهانتها بالمفاوض الفلسطينى و حيث يصبح السلام المبنى فقط على الرغبة فى السلام هو استسلام و خضوع

بينما يميل البعض الاخر معسكر فتح و الدول المؤيدة لها و المسمى بمعسكر الاعتدال و الذى يسير فى مسار المبادرات و التسويات السلمية لما يمثله من تعقل و حكمة و واقعية فى التعامل مع ظروف المنطقة و قوة الاطراف على الساحة العربية و الشرق اوسطية حيث لا سبيل الى استرداد الحقوق غير مائدة المفاوضات فى ظل افتقاد اسباب القوة و الندية فى الوقت الحالى و دعم امريكا الدائم لاسرائيل و سيطرتها فى الوقت نفسه على معظم اوراق اللعبة السياسة ان لم تكن كلها

و بصرف النظر عن تأييد هذا المعسكر او ذاك فان اى من المعسكرين ( الممانعة و الاعتدال) لم يستطع تقديم اى شىء لحماية الشعب الفلسطينى على ارض الواقع و لم يستطع ان يشكل اى ضغط دبلوماسى او عسكرى على اسرائيل لكى توقف العدوان و كل ما يروجه كل من المعسكرين بعد انتهاء العدوان عن نجاح التحركات الدبلوماسية او نجاح المقاومة العسكرية فى وقف العدوان الاسرائيلى و نزيف الدم الفلسطينى هو للأسف مجرد دعاية فارغة لحفظ ماء الوجه ليس الا و الواقع ان اسرائيل هى التى بدأت العدوان عندما ارادت و هى ايضا التى اوقفته عندما ارادت ليس بسبب ضراوة المقاومة و ليس من اجل عيون الدبلوماسية و لكن و فقا لمصلحتها من وجهة نظر قادة و سفاحى دولة اسرائيل و بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الامريكية سواء قبل او اثناء او بعد العدوان

هذه الحقيقة المرة مفادها انه بالرغم من الانقسام العربى الواضح على الساحة و ما يبدوا عليه كل من طرفى الانقسام من جدية و تحفز و اصرار على موقفه الان كل هذا الانقسام و الخلاف لم يتعدى الحرب الكلامية و لم يجروء اى من كلا المعسكرين على تخطى حدوده التى يعرفها جيدا فكانت كل التحركات و التحالفات و الاختلافات بين الدول و اشباه الدول على الساحة العربية و الشرق الاوسطية فى الازمة الاخيرة اشبه بالتمثيلية الهزلية التى يلعب فيها كل الممثلين ادوار كومبارس مختلفة الاهمية فى ظل مشاهدة بعيدة من اللاعب الرئيسى (امريكا) و ممارسات بلطجة من الوكيل الرسمى للاعب الرئيسى فى المنطقة (اسرائيل) و الامر يبدو فى غاية المرارة و السخرية فى نفس الوقت حيث ان اى من هؤلاء الاطراف لا يملك القدرة على ردة الفعل المناسبة لهذا العدوان بل انهم جميعا يبرعون بالدرجة الاولى فى الكلام..الكلام فقط ..و حتى من امتلك منهم القوة او بعض القوة ادرك فى لحظة المواجهة ان امتلاك القوة شىء و الجرأة لاستخدام القوة على ارض الواقع شىء اخر (مثل القوة العسكرية لدى ايران و حلفاؤها فى المنطقة سواء سوريا او حزب الله او قوة اقتصادية متمثلة فى البترول لدى دول الخليج او قوة دبلوماسية و اقتصادية لدى مصر متمثلة فى موقفها من معبر رفح او تصدير الغاز باالاضافة للخطاب الدبلوماسى الذى كان من من الممكن ان يكون اقوى من ذلك الخطاب الهزيل المثير للشفقة)

وجدير بالذكر هنا انه لا احد كان يدعو للدخول فى حرب صريحة و معلنة ضد اسرائيل كرد فعل على العدوان على غزة رغم ان خيار الحرب فى حد ذاته لا يعيبه شىء و لكن تحكمه موازين القوة الحالية و ظروف و خيارات الدولة التى تقرر خوض هذه الحرب و لكن كان هناك العديد من وسائل الضغط الدبلوماسية و الاقتصادية التى كان من الممكن ان تغير فى الكثير من سير الاحداث اذا تم تنسيقها بين كل الاطراف العربية بالاضافة الى ان كان هناك ايضا خيار دعم المقاومة و تزويدها بما تحتاجه لتمكينها من الصمود ليس لهزيمة اسرائيل و دحرها لاننا ندرك جيدا موازين القوة الواقعية فى الوقت الحالى و التى تميل بالتأكيد لصالح اسرائيل و لكن على الاقل لتكبيدها المزيد من الخسائر خصوصا فى صفوف جنودها مما كان سيشكل و سيلة ضغط اخرى على اسرائيل بالاضافة للضغط الدبلوماسى و الاقتصادى بالتوازى مما كان سيجعلنا نملك من القوة ما يمكننا على الاقل من صد الضربات و ربما ردها

اما عن الموقف على المستوى الشعبى فبقدر ما كان على مستوى عالى من التضامن و التوحد و مد اليد بالدعم المعنوى و الانسانى لشعب فلسطين الذى كان يتعرض لمذابح تنقل لنا على الهواء مباشرة الا ان هذا الحشد من الجماهير المتضامنة و المتعاطفة التى هبت بشكل كبير يجعلك تتسائل سؤال قد يبدوا سخيفا لدى البعض و لكنه منطقى و هو هل شعب فلسطين لدى هؤلاء الشعوب العربية الثائرة الخارجة فى المظاهرات اغلى عليهم من انفسهم؟ او بمعنى اخر لماذا تثور هذه الجماهير فى معظم الدول العربية من اجل العدوان على الشعب الفلسطينى و لا يثورون من اجل العدوان الذى يجرى عليهم هما انفسهم بشكل يومى من حكام مستبدين يمارسون شتى انواع القهر و الظلم على شعوبهم ؟ و من ناحية اخرى لماذا تهب هذه الشعوب للتعاطف و التظاهر و الدعم عند العدوان العسكرى و بمجرد انتهاؤه يبدأوا فى نسيان ماحدث بالتدريج و تخبو جذوة الانفعال و الدعم عندهم ؟ اليس العدوان مستمر على فلسطين و القضية الفلسطينية مازالت لم تحل و الار ض الفلسطينية مازالت محتلة؟

التفسير الوحيد الذى اجده لهذه الثورة الشعبية الجارفة التى تشتعل مع اى عدوان عسكرى على اى ارض عربية و تخبو بعد ان ينتهى هو اننا كشعوب عربية لا تحركنا عقولنا و ادراكنا لما يحاك او يدبر ضدنا بقدر ما تحركنا عواطفنا الجياشة التى تتحكم فينا و تدفعنا للثورة و الانفعال سريعا و تعود بنا للهدوء اكثر سرعة اعتمادا على ما يداعب مشاعرنا من مشاعد الحرب المؤلمة التى يتم نقلها عبر الفضائيات فاذا توقف الحديث فى و سائل الاعلام و توقف الشحن العاطفى الجارف فى اتجاه معين فان الجماهير تتوقف و تعود مرة اخرى للانشغال بحياتها اليومية كأن شيئا لم يحدث دون التفكير فى معنى ما حدث بعيدا عن العواطف او محاولة فهم ماذا حدث و كيف حدث و ما الدروس المستفادة لمنع تكراره من الحدوث و فى ظل هذا التحرك العاطفى البحت الذى يقدم الانفعال و الحماسة على العقل و المنطق يصبح من المفهوم ايضا لماذا تثور الجماهير من اجل العدوان على شعب فلسطين و لا يثورون من اجل الاستبداد الواقع عليهم بشكل دائم من حكامهم فلو ان هناك قناة اعلامية مثل الجزيرة توعى الشعوب بحقوقها و مدى ما تستطيع ان تحصله من مكاسب فى ظل الديمقراطية مقارنة بالظلم الواقع عليها فى ظل الاستبداد ربما تحركت قلوب و عقول هذه الشعوب و تقدموا للثورة على الحكام المستبدين و اخذ حقوقهم

و فى رايى ان تخاذل موقف الحكومات و القيادات فى مواجهة التهديدات الخارجية مثل العدوان الاخير على غزة رغم التجبر و الطغيان التى تبديه نفس هذه الحكومات و القيادات على شعوبها فى الداخل و تناقض ذلك التخاذل تجاه التهديدات الخارجية مع موقف الشعوب الثائرة المنفعلة تجاه نفس التهديدات هو ابلغ دليل على ان الحل الوحيد للقضاء على هذه التخاذل و الضعف على الساحة الخارجية لا يبدأ الا بالقضاء على الاستبداد من الداخل اولا و مفتاح الدور الاقليمى الاستراتيجى الناجح و امتلاك اسباب القوة الحقيقة هو ان تكون الدولة ديمقراطية يمثل حاكمها شعبها بالفعل فوقتها لن يلعب هذا الحاكم دور الكومبارس او دور العميل على الساحة الخارجية خوفا من عصا الديمقراطية و حقوق الانسان التى تلوح بها امريكا دائما اذا اقدم على سياسات خارجية لا تتفق مع الاجندة الامريكية فى المنطقة و سيتوقف التواطء الغير معلن بين امريكا و بين معظم حكام الدول العربية التى يقضى بان تغض امريكا الطرف عن اى اوضاع داخلية من استبداد و فساد و انتهاك لحقوق الانسان مقابل ان يعطيها الحاكم المستبد ما تريده على الساحة الخارجية و عند تحقق الديمقراطية و ووصول من يختاره اغلبية الشعب بالفعل الى الحكم سيتحقق الاتساق بين موقف الشعب فى الداخل و مواقفنا الخارجية و سيقدم الحاكم على اتخاذ السياسات الخارجية التى تعبر عن شعبه بالفعل و التى تحافظ على مصالحه و كرامته و سيكون الشعب على اتم استعداد لتحمل نتائج هذه السياسات عن طيب خاطر

و اذا القينا نظرة اخيرة على العدوان على غزة سنجد ان جميع الدول العربية من كلا المعسكرين (الاعتدال و الممانعة) و التى لعبت ادوار الكومبارس او التواطوء او تفرغت للحرب الكلامية دون ان تفعل شيئا على ارض الواقع اثناء الازمة هى كلها دول استبدادية لم يأت حكامها برغبة شعوبها فى حين ان الاطراف الفاعلة التى نجحت للأسف فى فرض ما تريده او جزء مما تريده على ارض الواقع سواء من المعتدى الغاشم (اسرائيل) او محرك الاحداث الرئيسى (امريكا) فهى دول ديمقراطية اتى حكامها برغبة شعوبها و تمتلك شعوبها القدرة على محاكمتها على اخطائها

22 December, 2008

اهواء منطقية



تتأثر ارائنا و انطباعاتنا و كذلك احكامنا على الاشياء و الاشخاص بالعديد من العوامل منها على سبيل المثال لا الحصر خبراتنا و تجاربنا السابقة و المعلومات التى لدينا عن الشىء او الشخص الذى نحكم عليه مما يوفر لنا فى النهاية القدرة على الحكم بشكل منطقى لدرجة ما على هذا الشىء او هذا الشخص

و الحكم او الراى المنطقى هو الذى يستطيع صاحبه ان يدعمه او يبرره و فقا لمعطيات و عوامل اعتمد عليها فى اصدار حكم يبدو من وجهة نظره حكم منطقى و ليس من الضررى ان يكون هذا الحكم صائبا دائما فهو فى النهاية يعتمد على عوامل كثيرة فاذا فسد او بطل احد هذه العوامل – على الرغم من صحته من وجهة نظر صاحبه وقت اصدار الحكم – فهذا يؤدى بالتالى الى عدم صواب الحكم او الراى بدرجة ما و لكن فى جميع الاحوال تظل الاراء المبنية على عوامل منطقية يمكن مناقشتها و تفنيدها هى اراء تحترم يؤخذ من اصحابها و يرد عليهم بالعقل و المنطق أما الاراء المبنية على العواطف و المشاعر فقط و التى قد لا يجد صاحبها مبررات منطقية لها فهى اراء لا يمكن نقدها او مناقشتها بالعقل بسهولة و احيانا ايضا لا يمكن الحكم عليها بالايجاب او السلب الا ربما عن طريق نتائجها او عن طريق قياسها على معيار العقل و المنطق لمعرفة هل سنصل باستخدام العقل الى نفس الحكم الذى وصل له القلب و المشاعر ام لا

و رغم اننا من المفروض ان نبدأ باستخدام العقل و المنطق فى الحكم على الاشياء الا اننا نخرج من هذه الدائرة العقلانية و المنطقية فى اصدار الاحكام و الاراء بسرعة بمجرد ان تتدخل الاهواء و العواطف فى احكامنا و ارائنا فعندها تنعكس عواطفنا تجاه شىء معين او شخص ما على رؤيتنا و فى هذه اللحظة نفقد حكمنا المنطقى و العقلى المنصف على هذا الشىء او هذا الشخص فأذا كنت تحبه فسوف تعطيه اكثر من حقه و اذا كنت تكرهه فسوف تبخسه حقه و تظلمه و للأسف احيانا تبلغ درجة سيطرة العواطف و المشاعر علينا فى ابداء الاراء و الاحكام الى درجة تجعلنا نلوى عنق الحقائق و نتغاضى عن حقائق اخرى و نخترع حقائق جديدة و كل هذا من اجل ان يبدوا حكمنا المنافى للمنطق السليم و العقل السديد و المتوافق مع مشاعرنا و اهوائنا الشخصية حكما منطقيا سليما...و فى هذه الحالة تبدوا لنا اهوائنا منطقية الى اقصى الحدود

و الامثلة التى يمكن نقيس عليها اختلال التوازن لدينا بين العقل و العاطفة فى اصدار الاحكام و بناء الاراء هى كثيرة جدا و نواجهها فى حياتنا اليومية بل يمكن ان نقول باطمئنان ان هذا الاختلال فى التوازن من احد المعوقات التى تعوق تقدمنا بالذات على صعيد العلاقات الانسانية بين البشر ..و لا يطالب احد هنا باخضاع العلاقات الانسانية كالحب و الصداقة و الزواج والترابط الاسرى لاحكام العقل و المنطق لان هذه العلاقات بطبيعتها ابعد ما تكون عن البحث عن مبررات منطقية لتفسير قوتها او ضعفها او توترها فى فترات و زهوها فى فترات اخرى بل هى تعتمد على المشاعر و علم النفس بالدرجة الاولى او ما قد يصطلح البعض على تسميته بالكيمياء فى العلاقة بين الاشخاص فقد تجد تنافر او تجاذب بين اشخاص يتقابلون لاول مرة دون سبب واضح ..و لكن ما اتكلم عنه هنا هو التداخل بين هذه العلاقات الانسانية المبنية على العاطفة بالدرجة الاولى و تاثيرها على نوع اخر من العلاقات يحتاج الى تقديم العقل و المنطق فى المقام الاول مثل علاقات العمل و البحث و الدراسة و العمل معا بروح الفريق فى مشروع ما

و مفتاح توازن تاثير العقل و العاطفة على احكامنا و ارائنا هو ان نتفهم اننا فى البداية و النهاية بشر تؤثر عواطفنا و مشاعرنا تجاه الاشياء و الاشخاص على رؤيتنا و ارائنا ناحيتهم احيانا عن وعى منا بهذا التأثير و احيانا اخرى دون ان نتنبه له و رغم ان تأثير العواطف و المشاعر على احكامنا - بنسبة ما قد تكون ضئيلة او كبيرة تبعا للظروف - شىء لا مفر منه الا اننا يجب ان نحاول دائما السيطرة بدرجة معقولة على هذا التاثير و ترويضه حتى تكون احكامنا متوازنة و لا تكون كلها قائمة على المشاعر فقط بل يجب ان يكون هناك توازن معقول بين العقل و العاطفة و احيانا يجب تغليب العقل خاصة فى الاحكام و الاراء التى لن تؤثر نتيجتها علينا فقط بل سيمتد تأثيرها للأخرين ايضا اما اذا كنت انت المتأثر فقط بنتيجة هذا الراى او الحكم المبنى على المشاعر و العواطف فقط فانت حر فى ذلك طالما لن يتعداك التأثير الى الاخرين

24 November, 2008

المسدس الميرى و فراغ القوة



نسمع دائما فى وسائل الاعلام الحكومى و غيرها من و سائل الاعلام الموالية او حتى المستقلة - و لو بحسن نية - ان مصر هى بلد الامن و الامان و ان مستوى الامن فى مصر يجعل المواطن المصرى يسير فى الشارع مطمئنا و خالى البال انه لن يتعرض لأذى و انه لو تعرض له احد سيجد الشرطة تدافع عنه...و يتم استغلال نفس هذا الكلام فى الترويج للسياحة و اعتبار توافر الامن و الامان فى مصر من العوامل المشجعة على المجىء لمصر (و ربما يكون من سخرية القدر ان الاجنبى قد يتمتع بالفعل بالامن و الامان و الحماية على ارض مصر حتى و لو ارتكب جرما بينما يضرب المواطن المصرى على قفاه فى جميع الاحوال)..كما تبرر العديد من تجاوزات الشرطة و الداخلية و تهمش قضايا التعذيب و انتهاك حقوق الانسان باعتبارها اقلية و ان نسبة الانتهاكات و سوء استغلال السلطة و النفوذ فى جهاز الشرطة هى الاقل و ان غالبية ضباط الشرطة يعملون و يسهرون من اجل حماية امن و امان الوطن

الحقيقة اننى اجد صعوبة فى ابتلاع هذا الطرح و الاقتناع به و اشعر انه اصبح كالاسطوانة المشروخة التى يعاد تكرارها كلما استدعت الظروف ليتم الضحك علينا او لنضحك على انفسنا بها غير راغبين فى مواجهة الحقيقة التى قد تكون بمنتهى الوضوح - و للأسف - ان جهاز الامن الداخلى لدينا متمثلا فى جهاز الشرطة و وزارة الداخلية عموما يتبع الافراط فى استخدام القوة و التعذيب و انتهاك حقوق الانسان كمنهجية فى التعامل مع ابناء الشعب و ان هذه السياسة هى قاعدة و ليست استثناء .. و ان جهاز الشرطة فى مصر يحقق الامن بالفعل ..و لكنه الامن الذى يحافظ على النظام الحاكم قائما و مستقرا و هو غرض يبدو نبيل و لكنه يتحول من النبل الى صفة اخرى عندما يصبح هذا النظام الحاكم فاسدا بكل المعايير و عندما يتحد المال و الفساد بالسلطة و النفوذ ليتكون لدينا تحالف ينتشر فى جسد النظام الحاكم كالسرطان و تصبح الشرطة الاداة التنفيذية و السلاح الجاهز دائما للانطلاق فى يد هذه المنظومة و هذا التحالف و تستخدم قوة الشرطة فى الحفاظ بالدرجة الاولى على مصالحه و مكاسبه...تحافظ الشرطة على الامن نعم..و لكنه امن ليس الهدف منه حماية المواطنين بقدر ما يهدف الى حماية هذا التحالف و ان حدث تعارض بين امن و مصالح هذه المنظومة او هذا التحالف و امن و امان او حتى حياة المواطن فسوف يتم سحق هذا المواطن بلا رحمة


هذه الحقيقة – للاسف - ثابتة فى اعتقاد معظم المصريين و جميعنا ندرك ما يمثله دخول قسم الشرطة او استدعاء امن الدولة لأى سبب دون ان يكون لك واسطة او ضهر كما يقولون

جميعنا ندرك جيدا ماهية القوة المسيطرة على البلد و كيف انها توفر الامن و ليس الامان و انها تضمن استقرار الاوضاع التى تخدم مصالحها بصرف النظر عن صلاحية هذه الاوضاع لابناء الشعب مانعة الامور من الانفلات او التدهور الى الوفوضوية

ليس كل ما سبق بجديد بل اننا كلنا تقريبا نعرفه او ندركه بشكل او بأخر

الجديد هو ما يمكن ان يحدث اذا فقدت هذه القوة المسيطرة - بصرف النظر عن طغيانها - السيطرة على نفسها و اصبحت غير مسؤلة و غير مدركة لمدى خطورة انفلات الاوضاع واقعة تحت تاثير زهو القوة الذى يجعلها تتوهم انه مهما بلغ طغيانها و قسوتها فلن يجروء احد على ابداء اى رد فعل تجاه اى فعل عنيف من افعالها مهما بلغت درجة ظلمه و طغيانه

الشعب المصرى ربما تكون السلبية من صفاته و ربما يميل فى معظم الفترات الى الصبر على ظلم الحاكم و طغيان السلطة الى ابعد الحدود و لكن هذا لا يمنع من انه و على فترات زمنية متباعدة تحدث ثورات او انتفاضات ناتجة عن فترات طويلة من الكبت و القهر و الصبر الذى لا طائل من ورائه فتحدث حادثة صغيرة او مجموعة من الحوادث الصغيرة المتعاقبة تكون احداها هى القشة التى تقضم ظهر البعير او تكون نهاية صبر الحليم....و اتق شر الحليم اذا غضب

خلال الايام الاخيرة توالت علينا اخبار حوادث العنف المتبادلة بين الشرطة و افراد عاديين من الشعب و لم تكن نتيجة هذه الاحداث للاسف مجرد اصابات او حوادث تعذيب كالتى اعتدنا عليها بل هى احداث بلغ العنف فيها درجة تبادل اطلاق النيران من الجانبين و انتهت بالقتل

الحادث الاول
حادث الشجار بين ضابط شرطة و شاب امام نادى الصيد بسبب الاسراع فى القيادة ادى الى مشاجرة بين شقيق المواطن القتيل و شقيق ضابط الشرطة تخلله ضرب و عنف متبادل انتهى بمقتل الشاب على يد ضابط الشرطة و بسلاحه الميرى.....لمعرفة تفاصيل اكثر عن هذا الحادث شاهد اروابط التالية


برنامج القاهرة اليوم

الحادث الثانى

و قع اليوم و قبيل ساعات من كتابة هذه السطور فى محافظة اسوان بسبب مشادة بين ضابط شرطة و احد المواطنين فى منزل المواطن اتهمه فيها الضابط باخفاء احد تجار المخدرات الهاربين من العدالة و عندما انكر المواطن صفعه الضابط على وجهه فى بيته و امام زوجته و اولاده فلم يكن من المواطن الا انه رد الصفعة فكان رد فعل الضابط افراغ ثلاث رصاصات فى راس المواطن ثم كبل يديه بالقيود و القاه امام المستشفى العام بالمحافظة بعد ان فارق الحياة فما كان من اهل المحافظة الا انهم ثاروا للمواطن و حدثت احداث شغب و عنف مازالت تجرى محاولات السيطرة عليها حتى كتابة هذه السطور - نقلا عن برنامج القاهرة اليوم حلقة 23 نوفمبر 2008 - و لمعرفة تفاصيل اكثر عن هذا الحادث شاهد الروابط التالية

برنامج القاهرة اليوم

نلاحظ من كلا الحادثين ملحوظات لها دلالات هامة جدا

فى الحادث الاول كان المواطن الذى تعرض للاعتداء يحمل معه مسدس صوت بغرض الدفاع عن النفس و هو ما يدل على عدم شعور بالامان و عدم ثقة فى وجود شرطة تحميه اذا ما تعرض لأى اعتداء و يحمل ايضل استعداد نفسى لتبادل العنف و الاستعداد لرد الاعتداء اذا تعرض له على العكس مما كنا نعرفه او نتصور اننا نعرفه عن المواطن المصرى بانه يأثر السلامة و المشى جنب الحيط و الابتعاد عن المشاكل...قد يقول قائل ان هذه حالة خاصة لا تستوجب التعميم و لكن هذه بالفعل ظاهرة منتشرة حاليا حيث يحمل الكثير من المواطنين على اختلاف طباقاتهم ادوات دفاع عن النفس جاهزة لرد اى عنف تطورا من السبراى مرورا بعصا البيسبول المشهورة التى لا تخلو منها اى سيارة و انتهاء بالعصا الكهربائية الصاعقة و مسدس الصوت و ربما المسدس الحقيقى ايضا..فأى دلالة تحملها انتشار هذه الظاهرة و بين ناس عاديين ليسوا مثلا تجار مخدرات و لا يعملون فى مهن خطرة تهدد حياتهم من الاخرين تحتم عليه حمل سلاح او وسيلة دفاع عن النفس ..الدلالة هى أنهم بكل بساطة يروا ان الشارع المصرى اصبح مكان خطر و غير امن من الممكن حدوث اى شىء فيه فى اى وقت و هم على استعداد لمواجهة العنف الموجه ناحيتهم و رده بعنف مضاد دون اعتماد على شرطة او قوة نظامية تحصل لهم على حقهم اذا حدث الاعتداء عليهم ..كأننا نعيش فى غابة او بلد خالية من الشرطة

فى الحادث الثانى الذى وقع اليوم فى اسوان اجد ان من اخطر الدلالات لجوء مواطنين مثل مواطنى محافظة اسوان برد فعل عنيف و مباشر على حادثة قتل المواطن على يد ضابط الشرطة برغم ما يتمتع به هذا الشعب و اهل النوبة على العموم بطيبة قلب بالغة و هدوء الى ابعد الحدود فهم ناس بطبعهم مسالمون و يجنحون للسلم فأى ظلم هذا الذى خرج بهم عن شعورهم و جعل ردة فعلهم بهذا العنف ..هذه مؤشر اخر على نفاذ الصبر و اقتراب منحنى انفعال الناس من نقطة الانفجار بمنتهى التسارع بداية من حدوث اى حادث مشابه وصولا الى القيام بردة فعل على هذه الحادث

و الظواهر المشتركة بين الحادثين هى العنف المتبادل بلا تحفظ بين الطرفين - الشرطة و المواطنين - و تسارع الاحداث و تطورها بسرعة و بخطورة رغم ان بدايتها فى كلتا الحالتين مشادة عادية من الممكن انها تحدث يوميا بين ضابط شرطة و مواطن و لكن الجديد هنا هو ردة فعل المواطن على الافراط فى استخدام القوة من جانب الضابط..فالشرطة لم تعدد هيبتها تمنع المواطن من الرد بعنف طالما يرى انه تعرض لظلم حتى لو من قوة ذات سلطة فتقدم هذه المواطن لاخذ حقه و لم تصدق القوة الغاشمة جراة هذه المواطن عليها فما كان منها الا ان اردته قتيلا

و بصرف النظر عن الروايات المتعددة للحوادث الاخيرة و تأويلها من جانب وزارة الداخلية او من جانب المواطنين كلا لصالحه و بصرف النظر عن من المجنى و من المجنى عليه فى هذه الحوادث الاخيرة فهى تحمل مؤشرات خطيرة جدا على وجود ضباط ليسوا على قدر المسؤلية و غير مقدرين للامانة التى يحملوها على اعناقهم و يسيئون استخدام سلطاتهم و يميلون الى استخدام القوة المفرطة بلا مبرر كافى يستدعى ذلك كما تحمل هذه الحوادث من ناحية اخرى ايضا مؤشرات على اهتزاز هيبة الشرطة و فقدان الثقة بها من جانب المواطنين كقوة حفاظ على امن و امان المجتمع على الرغم من ان هذه القوة حتى و انا كانت بها قدر من الفساد و الظلم الا ان بها ايضا ضباط صالحون يعملون لخدمة الوطن بالفعل و اى سعى الى التهوين من دور الشرطة الايجابى فى حفظ قدر من الامن الحقيقى و التركيز على سلبياتها فقط و استخدام ذلك لتبريراتخاذ نظرية الند بالند بين المواطن و ضابط الشرطة والدعوة اللجوء الى رد العنف بالعنف.. يقود كل ما سبق حتما الى الفوضوية و سلسلة من العنف و العنف المضاد لا يعود منها اى مكاسب فالجميع فى هذه الحالة خاسرون لأن التجرؤ على الشرطة و اضعاف هيبتها و العنف المتبادل معها سيقودنا الى استبدال وضع تسود فيه قوة فاسدة تحفظ قدرا ما من الا ستقرار الى وضع فوضوى عشوائى يتقبل جميع الاحتمالات السوداء التى ممكن ان نتخيله
ا

و مثال على ذلك - مع الفارق بالطبع - هو ماحدث فى العراق فبالرغم من ظلم و جبروت قوة غاشمة كحكم صدام حسين الان البلد تحت حكمه كانت تحتفظ بقدر عالى من الاستقرار حتى و ان كان هذه الاستقرار بسطوة الخوف و الحديد و النار الا انه بعد انهيار حكمه و ازالة القوة التى كانت تسيطر على الاوضاع بدون طرح بديل منطقى و قوى لها ادى الى فراغ فى الحكم فشلت قوة الاحتلال فى ملأه فتحول واقع العراق الى هذه الواقع السيريالى الاسود الذى نراه و لا اقول ان مصر تشبه العراق فى هذه فنحن ابعد ما نكون عن هذا السيناريو بتفاصيله و لكنه نموذج لما يمكن ان يحدث عندما تزال او تضعف قوة مسيطرة حتى و ان كانت غاشمة و لا يحل محلها شىء فساعتها تحدث الفوضى العارمة ..فعندما تقاوم قوة ظالمة و غاشمة مسيطرة على حيز ما بهدف ازالتها لابد ان تكون جاهز بمشروع بديل او قوة بديلة تملأ هذا الفراغ و تاخذ زمام السيطرة لتجنب الفوضى و الانفلات الذى سيلخفه فراغ هذا الحيز من القوة التى كانت تسيطر عليه

و طالما لانملك المشروع البديل بعد فالحل الاقرب منطقية هو ليس مقاومة او اضعاف هذه القوة بل هو السعى الى اصلاح هذه القوة المتمثلة فى جهاز الشرطة ووزارة الداخلية و تقويمها و هذا ما لن يحدث بالتأكيد بمعزل عن اصلاح سياسى فى الدولة نفسها و نظام حكمها و حتى يحين هذا لا يوجد امامنا الا محاولة اصلاح ما يمكن اصلاحه فى هذه القوة فلا نفع لنا ابدا فى نهيارها و ضعفها دون وجود البديل

22 October, 2008

الهوية الالكترونية



هوية الشخص هى مجموعة المعلومات و المفردات التى تدل على كينونة هذا الشخص.. طبيعته..انتماءه..افكاره و ميوله...و الهوية تتعدد انواعها و تعريفاتها فهناك هوية سياسية و هناك هوية وطنية و هناك هوية دينية و هناك هوية ايدولوجية... الخ.... فكل منحى من مناحى الحياة و جوانبها يصلح ان يكون للشخص فيها ميل او اتجاه معين و بالتالى يشكل هذا الميل او الاتجاه هويته فى هذا المنحى من مناحى الحياة و كل هذه الافكار و المفردات التى تقترن بها كلمة الهوية ندركها جيدا و نتعامل معها يوميا و نصنف الناس على اساسها...فهذا مسلم و هذا مسيحى..هذا يسارى و هذا رأسمالى...هذا مصرى و هذا امريكى...هذا ناصرى و هذا اخوان مسلمين....و هكذا

و لكن مؤخرا و مع انتشار الاستخدام الواسع للانترنت فى مجالات كثيرة جدا من حياتنا سواء كانت عملية او ترفيهية... بدأ مفهوم جديد يفرض نفسه علينا بقوة حتى و ان لم نضع تعريف واضح له و حتى ان لم نسمه باسم معين و نطلق عليه المسمى الحقيقى الذى يدل عليه....مسمى "الهوية الالكترونية" ... و الهوية الالكترونية لاى شخص تتشكل من جميع العوامل و المفردات التى تعبر عن وجوده فى فضاء الانترنت ..عوامل مثل بريدك الالكترونى...مدونتك....حسابك على الفيس بوك...حسابك على جوجل....و غيرها من المواقع الالكترونية التى لديك عليها نشاطات و مشاركات بحساب الكترونى فتحته و سجلت به على هذه المواقع

هذه الهوية الالكترونية مكنت كل منا من تكوين واقعه الافتراضى الخاص به على شبكة الانترنت و الذى يصول و يجول فيه بمنتهى الحرية فيقوم بعمل نشاط هنا و مناقشة فكرة هناك....كتابة تدوينة...عمل فيديو...تكوين صداقات (واحيانا عداوات) ..تكوين مجموعات عمل لفكرة تنفذ على الانترنت او على ارض الواقع بل قد يرتقى احيانا النشاط فى هذا الواقع الافتراضى الى مناظرة فكرية بين شخصين ذوى قناعات فكرية مختلفة
و من الامثلة الحية التى يمكن ان نطبق عيها مفهوم الهوية الالكترونية هى المدونات و الفيس بوك فكل منهما ساهم بشكل كبير فى بناء عالم افتراضى موازى للعالم الحقيقى الذى نعيش فيه و يتعامل افراد هذا العالم الافتراضى مع بعضهم البعض دون ان يروا بعضهم وجها لوجه بمجرد ضغطات على ازارا الكيبورد و احيانا يحدث التقاطع بين هذا العالم الافتراضى و عالم الواقع عن طريق مشاريع او نشاطات تنطلق من على الانترنت الى ارض الواقع او تنطلق على ارض الواقع و يروج لها على الانترنت...و الحق يقال ان هذا الواقع الافتراضى الجميل (متمثلا بشكل كبير جدا فى المدونات و الفيس بوك) ساهم بشكل كبير فى التنفيس الفكرى و عمل حالة من العصف الذهنى و التواصل بين اشخاص تعارفوا عن طريق الانترنت ربمل لم تكن احتمالات تعارفهم على ارض الواقع تزيد على الواحد فى المليون

و هناك طبعا انواع من الوجود الالكترونى للشخص على الانترنت اخطر و اهم من كل ما سبق ..فاذا كلن لديك حساب باحد البنوك مثلا فيمكنك التعامل مع حسابك الكترونيا بالكامل من خلال موقع البنك على الانترنت..بل و يمكنك تحويل مال من حساب لاخر بضغطة زر واحدة...و هناك ايضا الشراء من على الانترنت ببطاقات الائتمان...و هناك غير ذلك العديد من الامثلة التى تعبر عن اهمية هويتك الالكترونية على الانترنت و هى اهمية تتزايد يوميا مع انتشار و توسع دخول الانترنت فى جميع مجالات الحياة و خدماتها العملية و الترفيهية و فى جميع الحالات تعتبر هويتك الالكترونية و التى تتكون فى الغالب من اسم مستخدم و كلمة سر هى مفتاح دخولك لهذا العالم الافتراضى لتصول و تجول به كما شئت

و لكن ماذا ستفعل اذا ضاع او فقد منك هذا الحساب الذى يعطيك هويتك الالكترونية؟....الحق يقال ان هذا هو شعور فظيع للغاية و مؤلم الى اقصى درجة..خصوصا اذا كان هذا العالم الافتراضى الجميل يعوضك نفسيا و معنويا عن واقع مؤلم و قاسى الى اقصى الحدود..و قتها يصبح فقدانك لهويتك الالكترونية و مفتاح دخولك للعالم الافتراضى كفقدانك للنسخة الوحيدة من مفاتيح شقتك

و لكن كيف يمكن ان تفقد هويتك الالكترونية؟..و ما سبل تأمين هذه الهوية؟...الهوية الالكترونية المتكونة من اسم المستخدم و كلمة السر تقع مسئولية تأمينها و الحفاظ عليها على صاحبها بالدرجة الاولى و على الموقع الالكترونى الذى يستخدم هذه الهوية عليه بالدرجة الثانية و لكن معظم المواقع المحترمة ( و خصوصا جوجل و الفيس بوك) تأمن مواقعها و خوادمها الى اقصى درجة بحيث يكون من الصعب جدا (و ان كان ليس من المستحيل) ان يخترق احد القراصنة او الهاكرز هذه المواقع و يحصل على اسم المستخدم و كلمة السر و بالتالى يكون الطريق الاقصر و الاسهل لأى هاكر هو ان يتجه لخداع المستخدم نفسه للحصول عن طريقه على اسم المستخدم و كلمة السر الخاصين به و يكون هذا غالبا عن طريق ارسال رسائل الكترونية مزيفة من عناوين مشابهة لعنوان الموقع االكترونى تطلب من المستخدم تأكيد كلمة السر و اسم المستخدم عن طريق ارسالهم فى البريد الالكترونى او عن طريق رابط يوجه المستخدم لصفحة مشابهة لصفحة الموقع تطلب منه نفس البيانات و فى هذه الحالة يقوم المستخدم باعطاء بيانات هويته الالكترونية و كلمة السر للهاكر طواعية و دون اى صعوبة و لذلك يجب على اى مستخدم ان يحذر و يركز جيدا و يدقق الى اقصى درجة فى اى خطوة يقوم فيها بادخال اسم المستخدم و كلمة السر و ان يتاكد تمامانه يقوم بذلك داخل الموقع فقط...هذه طبعا بالاضافة للحفاظ على ابسط قواعد الحماية التى يفترض ان تكون من البديهيات مثل ان لا يعطى اسم المستخدم و كلمة السر لشخص اخر بدافع الثقة و الا يترك الصفحة الخاصة بالموقع على جهاز عام غير شخصى ( كجهاز العمل او مقهى الانترنت) بدون ان يسجل خروجه من الموقع و ابسط قواعد الحماية و التامين هذه و التى قد تبدو تافهة و بسيطة يؤدى اهمالها فى الغالب لفقدان الهوية الالكترونية و ساعتها لن يفيد الندم

الاسوء من فقدان الهوية الالكترونية و ضياعها ..هو انتحال هذه الهوية ..فقد يقوم الهاكر بعد الحصول على بيانات الضحية بان يستخدم هويته الالكترونية فى التعامل باسمه على الانترنت و او الكتابة على مدونته و التعليق باسمه و قد يسبب له مشاكل بينه و بين اصدقاء له او يقوم بافعال تسىء لصاحب الهوية الالكترونية الاصلى..و هناك حالة اخرى من الانتحال بان يقوم شخص ما باستخدام اسم مستخدم مشابه لاسمك على نفس الموقع و يقوم بنشاطات و ردود فى نفس الاماكن و المساحات التى تتجول بها على الموقع فيؤدى الى بلبلة و اضطراب فى دائرة اصدقائك على هذا الموقع خصوصا اذا استغل خلفيات علاقاتاك السابقة بهؤلاء الاشخاص فى الايقاع بينك و بينهم عن طريق تعليقات مسيئة

الى هذا الحد تكتسب الهوية الالكترونية اهميتها بالنسبة لنا فى اشعارنا بكينونتنا و اهميتنا فى هذه الواقع الافتراضى و يؤثر فقدانها او حدوث اى مشاكل بها الى اضطرابنا...و لكن لابد ان نسال نفسنا هنا سؤال هام جدا...ماذا لو انتهى او اختفى هذا العالم الافتراضى؟...البعض سيقول ان هذا مستحيل و انه غير ممكن فعليا فطالما وجد الانترنت و جدت العوالم الافتراضية باشكالها و انواعها المختلفة..و ربما هذا القول صحيح بنسبة كبيرة..و لكن يجب ان نضع فى اعتبارنا دائما ان هذا العالم الافتراضى الذى نصول و نجول فيه هو بكامله بالمجان و بدون اى مقابل فحسابك على جوجل او على الفيس بوك هو بالمجان و لهذا فلايوجد اى ضمان من اى نوع لاستمرارية وجود هذه المواقع او حتى تعويضك و لو معنويا عن اى اضرار او تغييرات تقع بهما..فأنت ضيف و لست صاحب بيت...و الامثلة على ذلك واضحة و ملموسة ..فمثلا عندما اراد الفيس بوك تغيير شكل الموقع..لم يستطلع اراء المشاركين فيه...بل قامت اداة الموقع باتخاذ اقرار و تغيير شكله...و لم تستجب لكم الجروبات الهائل و كم المستخدمين الرهيب الذين اعترضوا على تغيير شكل الموقع...و ايضا قد يقوم موقع الفيس بوك بتوقيف حسابك لفترة بزعم اختراقك لقواعد استخدام الموقع التى غير موضحة بالاساس...فهل لو صحوت يوما لتجد ان ديكور و ترتيب شقتك قد تم تغيره بالكامل بدون اخذ رايك...او صحوت لتجد نفسك نائما فى الشارع على الرصيف... فماذا سيكون تفسيرك المنطقى...التفسير الاقرب للمنطقية ان هذه ليست شقتك و لكن لها صاحب من كرم ضيافته تركك تصول و تجول فى الشقة حتى توهمت انها ملكك و لكن الحقيقة انها ليست كذلك..نفس الشىء بالنسبة للبريد الالكترونى و المدونة و غيرهم من مفردات هويتك الالكترونية...فكل هذه الاشياء مجانية على مواقع عامة مفتوحة للجميع ليس لنا ادنى سيطرة عليها و بالتالى فنحن فى هذا الواقع الافتراضى الجميل ضيوف و لسنا اصحاب بيت و لذلك يجب على الضيف دائما ان يكون على استعداد للرحيل و ان يكون جاهز دائما كما يقولون (بشنطة هدومه) تحسبا لاى ظروف و تطورات لذلك يجب على كل منا ان يكون لديه نسخة احتياطية من جميع المعلومات التى تهمه على هذا العالم الافتراضى تحسبا لحدوث اى مكروه لا قدر الله..مثل بيانات حساباته المختلفة على المواقع و التى ترسل على البريد الالكترونى..مثل مشاراكاته المكتوبة و ربما المسموعة و المرئية على مختلف المواقع..مثل موضوعاته على المدونة الخاصة به .. مثل وسائل الاتصال و ارقام اصدقائه..باختصار كل ما يشكل محتوى هويتك الالكترونية التى تتحرك بها فى هذا العالم الافتراضى..لابد ان تحتفظ بنسخة احتياطية من كل هذا و بقدر الامكان على حاسوبك الشخصى او على اسطوانات..ربما يبدو هذه الكلام ساذجا و غير منطقى للبعض و لكن عندما تفقد هذا العالم الافتراضى لظروف خارجة عن ارادتك و لو بشكل مؤقت ستدرك وقتها مدى اهمية هذا المحتوى الذى احتفظت بنسخة احتياطية منه

الشىء الاخير الذى اود طرحه بخصوص الهوية الالكترونية و عالم الانترنت الافتراضى هو مدى الاهمية و مدى حجم الاهتمام الذى نعطيه لهذه الهوية الابكترونية و الذى يبدوا فى بعض الاحيان زائد عن الحد المنطقى..فبرغم الدور الايجابى و الفعال الذى تلعبه هذه الهوية الالكترونية فى حياتنا يوميا فيجب ايضا ان ندرك ان الهوية الالكترونية ليست هى الهوية الاصلية لنا و ليست هى هويتنا الوحيدة..و هويتنا الالكترونية تعبر عن و تنتسب الى هويتنا على ارض الواقع و ليس العكس و بالتالى لايجب ان يؤثر فقدانها او اختفائها على ثقتنا بانفسنا او رؤيتنا لذواتنا فنحن من نصنع هذه الهوية الالكترونية و نستطيع اذا ضاعت ان نصنع غيرها و مهما بلغت مشاكلنا و احباطتنا على ارض الواقع فلا يجب ان يكون العالم الافتراضى لاعبا لدور المسكن لهذه المشاكل و الاحباطات او المكان الذى نهرب اليه من مواجهة الواقع بل يجب ان يكون وسيلة تساعدنا على مواجهتها و مهما كان ادائنا و انطلاقنا فى عالم الانترنت الافتراضى مكسبا للثقة بالنفس و متنفسا عن مشاعرنا و افكارنا الا انه لا يجب ان يتطور الامر ليصبح العالم الافتراضى على الانترنت هو بديل لعالمنا على ارض الواقع بل يجب ان يكون مكملا له و متكاملا معه

02 October, 2008

مشاهدة الذات




هل تستمتع احيانا بمشاهدة الاخرين؟

فكر قليلا قبل ان تجيب..و اجب لنفسك بصدق و صراحة

احيانا يجد الانسان منا نفسه يشاهد الاخرين مطلقا احكاما بناء على مظاهرهم و اشكالهم الخارجية..احيانا تجد نفسك تقف فى شرفة منزلك ترى الاخرين يمشون فى الشارع ..يتحدثون مع بعضهم البعض و احيانا يتشاجرون..و قد يكون امام منزلكم مقهى فتشاهد الرواد يلعبون الطاولة او يدخنون الشيشة او يشاهدون احدى المباريات..تستمتع بمشاهدة انفعالاتهم و ردود افعالهم و انت تعرف ان احدا منهم لا يعتقد انه مراقب منك..و قد تكون شرفتك فى مكان اعلى فترى احدهم فى شرفة دور من الادوار الاولى يمارس هواياتك فى مشاهدة و مراقبة الاخرين...فتصبح انت مراقبا للمراقب

انه حقا شعور رائع و آثم فى الوقت ذاته...ربما لان كل الآثام تكون غالبا مقترنة بالمتعة...متعة ان تراقب الاخرين و تصدر احكامك النهائية على شكلهم االخارجى بشكل لا ارادى...احكام سطحية و نمطية هى..و احيانا تكون مجحفة الظلم

و لكنك غافل عن حقيقة لا مفر منها...وهى انك بينما تراقب الاخرين فهناك اخرين ايضا يراقبونك...و بينما انت تطلق على الاخرين احكامك النهائية من زاوية رؤيتك الضيقة فهناك ايضا - و ربما فى نفس اللحظة - من يطلق عليك ايضا احكاما سطحية و نمطية ..احكاما ربما لم تكن تخطر على بالك فى يوم من الايام بل ربما لم تتخيل فى لحظة ان يدور عنك خاطر معين عندما ينظر الاخرين اليك ايضا من زاوية ضيقة اتساعها هو اتساع ما يمكن ان يشف عنه مظهرك الخارجى و انفعالاتك الظاهرية

اذن...فكما ترى...هذه لعبة قاسية الى اقصى الحدود

و لكن ماذا سيحدث ياترى اذا جربت هذه اللعبة مع نفسك؟

ماذا سيحدث اذا انفصلت عن ذاتك لفترة من الوقت؟..فلنقل لمدة يوم ..و سمحت لنفسك بمشاهدة ذاتك...كأنك تشاهد شريط فيديو مسجل ليومك منذ لحظة استيقاظك جتى لحظة خلودك للنوم

هل سترى ذاتك بعيون الاخرين و تصدر نفس الاحكام السطحية التى ربما يطلقونها عليك؟

هل ستفاجأ بأنك فى بعض الاحيان تقوم ببعض الاشياء التى لم تنتبه انك تقوم بها من قبل؟

هل ستنتقد عاداتك السيئة التى ترغب فى التخلص منها و لكنك لا تستطيع؟

هل ستدرك الحقيقة الصادمة؟... و هى انك حقا لا تعرف ذاتك الى هذا الحد

انها حقا مجموعة من الاسئلة القاسية...قاسية بمنفس مقدار قسوة حكمك على الاخرين بناء على مظاهرهم و اشكالهم الخارجية...احيانا لا تكون لك حيلة فى هذا...فسطوة المظهر الخارجى تلون نظرتك لكل الاشخاص بل و الاشياء التى تتعامل معها تعامل سطحى

لذلك لا بد ان تفهم شيئا....لا تسمح لنفسك ابدا بتكوين اراء و انطباعات نهائية عن الاشخاص و الاشياء بناء فقط على المظهر و الشكل الخارجى..الامر يتطلب الكثير من التعامل و التفاعل مع الاشخاص و الا شياء لكى تصدر احكاما مبدئية...فما بالك بالاحكام النهائية

حقيقة الاشخاص و الاشياء فى الغالب تكون مختلفة عما نراه...رؤيتنا للاشياء و الاشخاص تكون انعكاسا احيانا لما بداخلنا...فلا تكن قاسيا فى احكامك على الاخرين ..لان الحقيقة هى ان قسوتك فى الحكم على الاخرين هى فى الحقيقة قسوة فى الحكم على ذاتك

عندما تلتمس الاعذار للاخرين كما تلتمسها لنفسك...عندما تتفهم دوافعهم الارتكاب الاخطاء كما تبرر لنفسك ارتكابك للاخطاء..فى هذه اللحظة فقط..ستتميز نظرتك و احكامك على الاخرين بشىء من العدالة ..و ستدرك الواقع ..و هو اننا فى البداية و النهاية بشر...نخطىء و نصيب...فاذا كنت تبحث باحكامك عن الملائكة..فأنت تبحث فى المكان الخاطىء...لأن الملائكة لا تسكن كوكب الارض

-----------

هامش

We don't see things as they are, we see them as we are

said by: Anais Nin

10 September, 2008

انها لعنة الـ يوتيوب....تطارده وحده

انها ليست اللعنة الاولى....لقد كانت هناك لعنات سابقة

لم تكن غرفة مظلمة هذه المرة

كانت قاعة واسعة ذات حوائط بيضاء تماما و يغمرها ضوء لا يدرى مصدره حيث لم يكن هناك اى من النوافذ او الابواب و تحتل احد حوائطها شاشة مسطحة عملاقة عليها شعار يعرفه جيدا و تحت هذا الشعار مجموعة من ملفات الفيديو - التى يعرفها جيدا ايضا - تحتل الشاشة بالكامل

شعر فى بداية الامر بالفرحة لانه يعرف انه من قام باختيار هذه المجموعة من ملفات الفيديو و لكنه فى نفس الوقت لاحظ شيئا غريبا عندما دقق النظر فى هذه الشاشة العملاقة و هى ان كل عدة ثوانى يختفى تلقائيا احد ملفات الفيديو من على الشاشة

اقترب من الشاشة محاولا فعل اى شىء و لكن للاسف لم تكن هناك اى ازرار او وسيلة لرد الفعل يستطيع بها منع ما يحدث و شعر بغصة شديدة فى الحلق و اختناق و هو يرى ملفات الفيديو الخاصة به تمسح تلقائيا الملف تلو الاخر و شيئا فشيئا تزداد المساحة الخالية على الشاشة العملاقة حتى لم يتبقى فى النهاية سوى اول فيديو قام باختياره و رفعه و بعد ثوانى مسح تلقائيا ايضا و تلاه اختفاء شعار الصفحة الخاصة به ايضا و اصبحت الشاشة ناصعة البياض لثوانى و بعدها احتل الشاشة بالكامل شعار اخر يعرفه جيدا و يحبه و لكنه فى هذه اللحظة بالذات لم يشعر بكراهية نحو هذا الشعار مثلما يشعر بها الان

و لدقائق سيطر ذهوله و الصمت المطبق على ثم خرجت بصعوبة كلمة من بين شفتيه

ليه؟

و كأنما بدت هذه الكلمة هى اشارة البدء للصوت المعدنى الذى اخذ يتردد فى ارجاء القاعة يتلو مجموعة من الكلمات بلهجة تبدوا كانها تلاوة حكم محكمة

"انه فى يوم الثامن من سبتمبر لعام 2008 الساعة الثانية عشر ظهرا تقرر ايقاف حساب المدعو هش نهائيا من على موقع اليوتيوب و حذف جميع ملفات الفيديو التى قام رفعها على الموقع و حذف الصفحة الخاصة به من على الموقع و ذلك لقيامه برفع ملفات فيديو تخرق شروط الموقع و قواعده و يعتبر هذا الحكم نهائيا و لا رجعة فيه و لا يسمح للمدعو هش باستعادة حسابه مرة ارى او التواصل مع ادارة الموقع عن طريق البريد الالكترونى"

لثوانى لم يستوعب هذه الكلمات التى بدأت تتردد فى ارجاء القاعة و لهذا فبعد انتهائها ردد نفس الكلمة مرة اخرى و لكن بصوت اعلى ترددت اصداءه فى اركان القاعة الخاوية

لييييييييييييييييييه؟

لم يجد استجابة سوى ان نفس الكلمات التى ترددت من قبل...اخذت تتردد مرة اخرى مستفزة كل مشاعره

بدا شعوره بالاختناق و احتياجه للاكسجين يتزايد و بدأ يبحث عن مخرج من القاعة بأى شكل

اخذ يدور فى القاعة باحثا عن اى منفذ حتى و جد باب الخروج ففتحه و خرج و الصوت الذى يكرر نفس الكلمات مازال يتردد من خلفه مثيرا اعصابه

فور خروجه بدأ يسير مبتعدا عن المكان و الصوت يخفت مترددا من خلفه بنفس النبرة المعدنية و قد بدأ ذهنه يصفو و تتضح له الصورة التى قاوم عقله ادراكها و لكنه لم يقاوم كثيرا

لقد فهم كل شىء



و دى كانت نهاية فرقة هش المسرحية
----------------------------------

تحديث

بعد الافاقة من الصدمة...و جمع الشتات
تعاود فرقة هش المسرحية تقديم عروضها المتجددة باستمرار
فى انتظاركم...الليلة و كل ليلة...فى مقرنا الجديد على العنوان التالى

05 September, 2008

مُسَلَّمَات أبو جهل

المُسَلَّمَة فى علم الرياضيات هى القاعدة الرياضية المُسَلَّم بها و لا تقبل النقاش و التى تم اثباتها رياضيا بحيث يمكن استخدامها كقاعدة تبنى عليها قواعد اخرى او تحل بها المسائل الرياضية و تستخدم كذلك فى البراهين

و اذا كان مفهوم المُسَلَّمَة يمكن الاخذ به فى الرياضيات حيث لا يختلف اثنان على ان 1+1=2 فأنه من غير المفهوم ان يمتد مفهوم المُسَلَّمَات و القواعد التى لا تقبل النقاش الى العلاقات الانسانية و الاجتماعية بين البشر بحيث اصبحت هناك مجموعة من المُسَلَّمَات تأخذ شكل البديهيات و الامور المعترف بها ضمنا رغم انه لا يوجد اى مبرر منطقى لها يجبرنى على اعتبارها الاختيار الوحيد امامى او الطريق الصحيح الذى يجب ان اسير فيه

و تأخذ هذه المُسَلَّمَات مسميات متعددة مثل العرف و العادات و التقاليد الموروثة عن الاباء و الاجداد و التى يجب احترامها و اتباعها دون نقاش و تختلف هذه الاعراف و العادات و التقاليد الموروثة من بلد الى اخر بل و من اقليم الى اخر داخل نفس البلد

قد ينظر البعض الى هذه المُسَلَّمَات على انها جزء من هويته و موروثه الثقافى و الاجتماعى و الدينى رغم انها قد لا تشكل اى عمق اجتماعى او تمثل اى مفهوم ثقافى او دينى و لكنها مجرد مجموعة من الافعال و التقاليد التى تجرى بتتابع و اسلوب معين دون ان تعرف ما دلالتها و ما الهدف منها و لا تشكل سوى عبء مادى و نفسى زائد على من يقوم بها مضطرا حتى لا يتهم بمخالفة العرف و القواعد و التقاليد

قد يكون هناك تفسير او مبررلأتباع هذه المُسَلَّمَات اذا كانت نابعة مثلا من اوامر و نواهى دينية ففى هذه الحالة فهى لها مبرر منطقى و مقبول...أما اذا كانت مجرد نابعة من عادات و تقاليد و موروثات الاباء فلابد فى هذه الحالة ان اقتنع ان لها سبب منطقى وواقعى مناسب للعصر الذى نعيش فيه و الا كان فعلنا لها و حرصنا عليها هو مجرد لاننا وجدنا عليها ابائنا و نكون بهذا نضع بايدينا اغلال و نحمل انفسنا اعباء نفسية و مادية تجعـل حركتنا اصعب و حياتنا تعس و لا نختلف فى اتبعانا لها عن سلوك اهل الجاهلية الاولى الذى كان تفسيرهم لعبادتهم الاصنام التى لا تنفع و لا تضر هو ان هذا ما وجدوا عليه اباؤهم ففعلوا مثلهم

و الشىء الخطير هو اختلاط هذه المُسَلَّمَات التى ما انزل بها الله من سلطان مع الواجبات و الطقوس الدينية بسبب عدم التعمق فى الدين و انتشار الجهل و الثقافة السماعية و النقلية التى تعتمد على النقل و الاستماع و لا تعتمد على القراءة و التعمق فى الاصول مما يكسب هذه المُسَلَّمَات قدسية زائفة تجعل كل من يحاول الهروب منها و عدم القيام بها متهما بالتقصير و مخطئا خطأ لا يغتفر فى نظر شرائح كبيرة من المجتمع...هذا عن ما يلقاه من يهرب من اتباع هذه المُسَلَّمَات فما بالك بالذى يهاجمها و يسعى لهدمها ..فهو تماما كمن يسعى لهدم اصنام يقدسها اهل الجاهلية و يعبدوناها من دون الله

و للأسف رغم كون الجهل و قلة المعرفة من المسببات الاساسية لانتشار و قوة هذه المُسَلَّمَات الا ان هذه المُسَلَّمَات تجد حظها من الانتشار بين المتعلمين و المثقفين تماما كحظها من الانتشار بين الاوساط الجاهلة و الاقل تعليما و يكون هذا الانتشار احيانا بفعل سلطة الاباء و اجبارهم للاجيال الجديدة على اتباع هذه المُسَلَّمَات و احيانا بسبب القدسية الزائفة لها و فى الغالب يقوم المتعلم و المثقف باتباع هذه المُسَلَّمَات بهدف تجنب الصدام و الهروب من الاتهام بمخالفة العادات و التقاليد رغم اقتناعه التام بان هذه العادات و التقاليد ليس لها اى قيمة و لا تمثل اى شىء بل بالعكس هى ارهاق مادى و نفسى له و لكنه يقوم بها لكى (يريح ماغه من الموضوع ده خالص) دون ان يدرى انه بهذا السلوك يرسخ هذه المُسَلَّمَات و ينقلها لاجيال اخرى و يقوى من سلطتها و قدسيتها الزائفة

و السؤال الذى يهدم هذه المُسَلَّمَات من اساسها هو السؤال البرىء الذى يجب ان يوجهه اى انسان عندما تطلب منه اتباعها و هو لماذا؟ او ليه؟...ففى هذه الحالة على من يطلب منى اتباع هذه المُسَلَّمَات ان يقدم لى السبب المنطقى لها و على ان اقتنع به او لا

فانا استطيع ان اقبل ان تكون هناك مُسَلَّمة او قاعدة رياضية لكن عنما ياتى الامر للعلاقات الانسانية و الاجتماعية فلا توجد مُسَلَّمَات او قواعد مطلقة و ما يكون صالحا للبعض كعادة او تقليد ليس بالضرورى ان يكون صالحا لى و من ناحية اخرى فانا اذا كنت مقتنعا بضرورة القيام بعادة او تقليد معين بشكل ما..فهل يحق لى ان افرض هذه العادة او التقليد على ابنائى مستخدما سلطتى الابوية عليهم و فارضا عليهم رؤيتى التى اقتنع انها هى الاصح على اساس انى اعرف مصلحتهم اكثر منهم؟...بالطبع لا

كل شخص من حقه ان يكون لديه المُسَلَّمَات و البديهيات التى يقتنع هو انها صحيحية بناء على تقافته و اقتناعه و اعماله لعقله للوصول لهذه المُسَلَّمَات و البديهيات...كل شخص من حقه ان يكون لديه عاداته و تقاليده و اعرافه التى يرتاح للقيام بها حتى ان لم يجد لها تفسير منطقى

و لكن ليس من حق هذا الشخص ابدا ان يفرض تطبيق كل هذا على الاخرين

26 August, 2008

مدونات مصرية للجيب...الخطوة الثانية



بعد حفل توقيع و اصدار العدد الثانى من مدونات مصرية للجيب "مصر فى قطعة جاتوه" و رغم بعض المنغصات الجانبية الا ان شعورى بالفرحة باستمرار المشروع و انه تقدم خطوة اخرى على طريق النجاح غطى على مشاعرى الاخرى

لا اريد الاسهاب هذه المرة فى التحدث عن وقائع و تفاصيل حفل توقيع العدد الثانى و كيف شرفت بمقابلة كل المدونين الذين قابلتهم..منهم من توطدت علاقتى بهم و اصبحوا اصدقاء بالفعل..و منهم من مازلت فى مرحلة التعرف عليهم و ربما يكونوا اصدقاء محتملين فى المستقبل...و منهم من كنت اتمنى مقابلته و فعلا سعدت بمقابلته للمرة الاولى فى هذا الحفل...لا اريد الخوض فى تفاصيل الحفل و مشاعره لأن الكلمات تعجز احيانا عن وصف المشاعر بصدق و تبخسها حقها و لكنى اريد التعمق اكثر و التحدث عن ما تمثله لى تجربة مدونات مصرية للجيب بالفعل...و لكى اصل لهذه النقطة لابد ان اعود بالذاكرة قليلا الى الوراء

خلال العامين السابقين من حياتى فقدت العديد من الاصدقاء و الاحباب المقربين الى قلبى و كلهم تم فقدانهم المفاجىء و الصادم بنفس السيناريو و الطريقة...السفر الى الخارج...و فجأة و بعد ان كنت معتادا على اللقاء و التواصل مع اشخاص كثيرين يفهموننى بشدة و ارتاح فى التعامل معهم و الخروج معهم بصفة مستمرة..وجدت نفسى فجأة وحيدا..اللهم الا اربعة او خمسة اصدقاء مازالو فى بر مصر ان لم تنده عليهم النداهة قريبا و هكذا بعد ان كانت حياتى مزدحمة بالاشخاص اصبحت اختياراتى من التواصل مع اشخاص ارتاح نفسيا للتواصل معهم محدودة جدا

و ما زاد الطين بلة هى احوال بلدنا التى تزداد تحسنا و ازدهارا كل يوم!! و الكلام السائد الذى اصبح يشبه الحقيقة المسلم بها بان الشعب المصرى نفسه لم يعد فيه خير و ان اشياء كريهة كالكذب و الرشوة و فساد الذمم و تدهور الاخلاق عموما اصبحت للاسف من سمات تعامل المصريين مع بعضهم البعض ناهيك طبعا عن سمات تعاملهم مع الاخرين و صار الشعب المصرى ياكل كبيره صغيره و صار المصريين يظلمون بعضهم البعض قبل ان يظلمهم حكامهم و صاروا يكذبون على بعضهم البعض قبل ان تكذب عليهم حكومتهم

هذه الصورة القاتمة وتوافقها مع الاخبار الواردة لى من اصدقائى العاملين بالخارج و بالذات فى دول الخليج ان من يحاربونهم فى ارزاقهم هناك و من يكيدون لهم المكائد هم ايضا للاسف مصريين و ان سمعة المصريين هناك للاسف سيئة جدا و ان اصدقائى يفكرون بشكل جدى فى تقديم طلبات هجرة لاوربا او امريكا و يسعون جاهدين للحصول على جنسية محترمة (و لا تسالنى طبعا عن احترام الجنسية المصرية بالخارج)...و بتأثير كل هذا كنت قد اوشكت - و اعترف بذلك - عن التوقف عن التدوين و القراءة و افكر جديا فى موضوع السفر و الهجرة

هذه الزاوية الضيقة المعتمة هى ماكنت ارى مصرمن خلالها حتى بدايات العام الحالى و بالذات حتى يوم اضراب ستة ابريل الذى لم اشارك به و لم اهتم به ابدا و لكن نجاحه - حتى و ان كان محدود - شكل صدمة افاقتنى مما يشبه الغيبوبة و الاحباط التى كنت اسعى معه جاهدا للتفكير فى خطوتى القادمة بدون اى قدرة على تلمس اى بارقة امل فى الافق او ضوء فى نهاية النفق

بعد نجاح اضراب السادس من ابريل انضممت لجروب الاضراب على الفيس بوك و تحمست بشدة للاضراب التالى حتى اننى كتبت العديد من التدوينات عنه و شاركت به قدر استطاعتى رغم تحفظى على الاضراب عن العمل فى حد ذاته و تفضيلى لصور الاعتراض و الاحتجاج السلمية الاخرى مثل مقاطعة الشراء و ارتداء السواد و لكن اتت صدمة فشل اربعة مايو و ما تبعه من عدة صدمات متتابعة متمثلة فى قرارات العلاوة التى تعمدت الحكومة الاعلان عنها لاجهاض الاضراب و فاجأتنا بعد ذلك بقرارت زيادة الاسعار التى تستمر فى الزيادة يوميا و يتزايد معها الشعور بالظلم و السواد الذى يحيط بهذا الشعب من كل جانب

بعد فشل الاضراب الثانى و زيادة الاسعار الحارقة و التى لاتعبر عن ازمة اقتصادية فقط بل تعبر عن ظلم شديد يقع علينا جميعا..كنت مثل الذى يسير فى طريق مظلم ظلاما دامسا لا يكاد يرى كفه فيه و يبحث عن اى شعاع ضوء و لو خافت يهتدى بهديه

كنت باختصار فى احتياج لاثبات ان لسه فى فايدة او ان هناك امل ما حتى و لو ضئيل

و هنا ظهر فى حياتى مشروع و امل جديد

مدونات مصرية للجيب

و تجربة مدونات مصرية للجيب بالنسبة لى لا يمكن اختصارها فى تجربة التدوين فقط او فى تجربة نقل التدوين الالكترونى الى سلسلة ورقية مطبوعة يصل الى كل الناس الذين لا يعرفون شىء عن واقع التدوين فقط...كل هذه الحقائق و اهداف المشروع بالطبع فى منتهى الاهمية و الايجابية

و لكن من ناحية اخرى اظهر لى هذا المشروع عالم التدوين من زاوية اخرى و اتاح لى دخوله من باب مختلف عن الباب الذى دخلت منه من قبل لاتعرف على مدونين شخصيا و اقابلهم وجها لوجه لاكتشف ان المدونات الرائعة ليست وجه اخر لشخص فى الواقع يعانى من ازدواجية فى الشخصية و له فى الواقع وجه اخر غير وجهه فى عالم التدوين الافتراضى و لكنه شخص رائع بالفعل..شخص مازال به خير و لم تطمس شخصيته ظروف الواقع القاهرة..و ربما هذا مادفعنى للتخلى عن الحذر الذى قد يكون مبرر او غير مبرر و الا اهتم كثيرا بالفصل بين شخصيتى الحقيقية و شخصيتى التدوينية كما كان يحلوا للبعض ان يفعل و كما سيظل البعض يفعل (ولا الوم هؤلاء بالمناسبة فهذه حرية شخصية) و مع مرور الوقت بدأ اهتمامى بمشروع مدونات مصرية للجيب يتزايد فى و تعرفى على اصحاب فكرته احمد مهنى و احمد البوهى و تاليا لذلك معرفة فريق العمل الرائع الذى اعمل معه على هذا المشروع و تعرفى ايضا على مدونين اخرين على خلفية هذا المشروع...كل هؤلاء الاشخاص الرائعين الذين ظهروا على حين غرة فى حياتى مع مشروع مدونات مصرية للجيب اعطونى اثبات ان مصر بها ناس مازلوا قادرين على الحلم..ان مصر مازال فيها ناس صالحين ..ناس بتشتغل بجد لحاجة هى مؤمنة بها و بتحبها بدون السعى وراء مكاسب مادية

اشخاص و ان كانوا يختفون من قبل خلف اسماء مستعارة فى عالم التدوين اختاروا فى لحظة فارقة ان يكسروا حاجز عزلة الانترنت و ان ينزلوا بكتاباتهم التى تحمل امالهم و طموحاتهم..احزانهم و الامهم...رايهم فيما هو كائن و تصورهم عما سيكون..قرروا النزول بكل هذا الى الشارع ...للرجل و المرأة الذين لا يعرفون شىء عن كلمة مدونة او تدوين الا كونها طلسم من الطلاسم الغامضة التى يحرص البعض على احاطتها بمزيد من الغموض و السلبية و السمعة السيئة

هؤلاء المدونون قرروا كسر الحائط بين عالم التدوين الافتراضى و عالم الواقع و اختراقه بمحتوى هذا العالم التدوينى الافتراضى كشلال من الفكر النقى يمثل املا جديدا و دماء جديدة مراهنين على قدرة المدونين على تغيير الواقع و تحويله بافكارهم و كتابتهم الى واقع افضل و ليس معنى هذا اننا ندعى ان المدونين هما قادة الفكر و التنوير و هم الامل الوحيد و كل هذا الكلام الكبير و لكن لا ينكر احد ان المدونين على اختلاف افكارهم و توجهاتهم يقدمون بالفعل فكرا ذو قيمة و ما نترجمه من افكارنا تدوينا و كتابة قد يثير قضية او نقاش و يؤدى لحالة من العصف الذهنى بيننا تؤدى فى النهاية الى تغيير حقيقى و لو على المدى الزمنى البعيد و هذا هو المعنى الحقيقى لتراكم المعرفة الانسانية التى تؤدى فى النهاية و على مر الزمن الى تغيير ليس ناتج عن علم او فكر شخص واحد فقط بل عن تراكم مجهود و افكار العشرات بل المئات و من هنا تأتى اهمية تجربة مثل تجربة مدونات مصرية للجيب حيث انها تقدم توثيق مكتوب و مطبوع لهذه الحالة مما يعتبر تأريخ لهذه الفترة باقلام افراد عاديين من عامة الشعب

قد يختلف البعض مع الفكرة و يعترض عليها

قد يطلق البعض تصريحات نارية بأن مافيش فايدة

قد يتفرغ البعض لنقد الفكرة و سلبياتها متناسيا الايجابيات

قد يتهم البعض القائمين على المشروع بانهم يضيعون جهدهم ووقتهم بلا فائدة

اقول لهم

لا توجد تجربة تخلو من السلبيات و لكن المهم هو النجاح و الاهم منه استمراره

لا توجد فكرة يجمع عليها الكل و لكن المهم ما تحدثه هذه التجربة من اثر و حراك

و اعتقد ان تجربة مدونات مصرية للجيب حتى الان تحقق نجاحا ملحوظا ربما بدا فى العدد الاول نجاحا منحصرا فى المجتمع التدوينى فقط و لكن مع العدد الثانى اعتقد ان التجربة ستشق الطريق بنجاح اكبر نحو كل القراء و بالذات من لا يعرفون شيئا عن التدوين و المدونات و هؤلاء هم المستهدفين اساسا من التجربة

و حتى ان تحققت نبوءات اكثر المشائمين تشاؤما و فشل المشروع او لم يستمر – و هو ما لن يحدث باذن الله – فتجمع القائمين على الفكرة..حماسهم و اخلاصهم و تفانيهم فى العمل قادر بلا شك على تجميعهم على فكرة جديدة و عمل جديد يحدثون به اثر و تغيير

قال لى ذات مرة احد اصدقائى المقربين جدا و المغتربين خارج مصر و انا احادثه على الشات : لا تكلمنى عن مصر و المصريين فانا لم اعد ارى فى اى منهم خير

اذا كان صديقى وجه لى هذه العبارة من فترة غالبا كنت ساقول له معك حق و لكنه قال لى هذه العبارة بعد ان بدات عمل فى تجربة مدونات مصرية للجيب...بعد ان وجدت ناس بالفعل...ناس دماغ بمعنى الكلمة...ناس بجد مش بهزار...و لذا فرددت عيه بثقة و امل: يا صاحبى لسه فى مصر ناس فيها خير...و طالما لسه فيه ناس فيها خير...يبقى اكيد مصر لسه بخير


على الهامش
قضيت ثلاثة ايام فى القاهرة تخللها حفل التوقيع و هناك سعدت بلقائين طويلين مع اثنان من احدث اصدقائى اللذين جمعتنى بهم الفكرة و العمل المشترك قبل ان يجمعنى بهم اللقاء و جها لوجه و هما احمد مهنى و احمد سلامة و لم اشعر عند تجولى مع كل منهما فى وسط البلد بأنى اتجول مع صديق لأول مرة و لكن كأنى اعرفهما بالفعل منذ زمن

ما احزننى بالفعل رغم فرحة اللقاء هو غياب اخى و صديقى العزيز احمد البوهى الذى تخطفته الغربة و لكنه دائما الغائب الحاضر بيننا و يرد ذكره بين الجملة و الاخرى و ربنا يرجعه لنا بالسلامة ان شاء الله لاننا بجد يا بوهى نفتقدك بشدة

و لا انسى بالطبع باقى فريق العمل العزيز او بمعنى اصح النص الحلو من فريق العمل متمثلا فى الاستاذة ايناس لطفى التى اتقارب معها فكريا فى العديد من الاراء اثناء العمل و علياء حسين التى تغمرنا دائما بحماسها و هدى جمال التى ربما لم يسعدنى الحظ بعد بالعمل معها عن قرب