06 August 2009

قانون ايكا


لا يوجد شخص محترم الا و يتمنى من أعماقه الا يضطر ان يدخل يوما الى مصلحة او هيئة حكومية من اجل قضاء مصلحة او انهاء اجراءات او استخلاص أوراق و لكن للأسف هذا امر لا يمكن تجنبه و يمكن القول انه شر لا بد منه..قد يسأل سائل..و لماذا يكره الشخص الذى يحترم نفسه دخول الهيئة او المصلحة الحكومية ؟ و السبب فى منتهى البساطة انه عند دخلوك هذه المصلحة او المؤسسة او الهيئة الحكومية لديك اختياران احلاهما مر..الاختيار الاول هو ان تسير فى اجراءاتك بصورة طبيعية و تفعل كما يقول لك الموظفين فى هذه الهيئة من الانتقال من مكتب الى مكتب و من شباك الى شباك حتى تصل فى النهاية الى الموظف المختص الذى سيخبرك ان ورقك ناقص او ان هناك ختم غير واضح و سيطلب منك تظبيط ورقك و العودة غدا و قد تنهى اوراقك غدا او لا انت و حظك و قد تطول رحلة عذابك او تطول و قد تتراوح ما بين يومين الى اسبوع...هذا هو اختيارك الاول عزيزى المواطن..اما الاختيار الثانى الذى يفعله اغلبنا هو ان تتجه الى مبدأ تفتيح المخ و تسليك الامور عن طريق الرشوة (و فى اقوال اخرى اكرامية او قهوة) و فى هذه الحالة ربما تنهى اوراقك فى نصف ساعة او ساعة على الاكثر

و مفهوم الرشوة او الاكرامية فى حد ذاته هو مفهوم يتناوله الشعب المصرى عموما بطريقة مثيرة للدهشة تصل فى بعض الاحيان الى التصريح بطلب الرشوة علانية و اعتبارها حق مكتسب او شىء بديهى لا يحتاج الى طلب فى بعض الاحيان و يتجه المواطن المصرى الذى يكون معظم دخله من الاكرامية او الرشوة الى تبرير ذلك بان هذا هو حقه المسكوت عنه الغير مقنن فالموظف فى الهيئة الحكومية يرى ان مرتبه الذى تعطيه له الحكومة غير كافى و غير عادل فيتجه لطلب الاكرامية من مواطن اخر ايضا لا يجد غضاضة فى دفعها مقنعا نفسه انه اما ان يدفع او ان ورقه و معه مصالحه سيتجه الى طريق مظلم و ربما يكون هذا المواطن الذى يدفع اكرامية نفسه يقبض رشوة ايضا فى مكان عمله و هلم جرا تستمر الدائرة و تصبح الرشوة او الاكرامية احدى الميكانزمات التى يعتمد عليها المواطن المصرى فى تسيير حياته ذاتيا بمعزل عن الحكومة او فلنقل بتستر من الحكومة فالحكومة تعرف جيدا ان الاجور ضئيلة و تعرف ان الموظف لن يعيش الا اذا اخذ اكرامية او رشوة مقابل تأديته لوظيفته و الموظف عارف ان الحكومة عارفة و هكذا ..فكانها اتفاقية فساد متبادل مسكوت عنها...و قد كتب ابراهيم عيسى ذات مرة فى الدستور عن سياسة الفساد و الافساد التى تتبعها الحكومة مع المواطن فيما معناه ان الحكومة تترك الشعب يفسد تحت مرأى و مسمع بل و سيطرة منها (مثال على ذلك انتشار الحشيش و توفره و امكانية شربه فى الشارع فى بعض الحالات) و هذا مقابل ان الشعب يسكت ايضا عن فساد و سرقة الحكومة بل ان الحكومة تتجه الى اجبار الشعب على الفساد و الرشوة و اجباره ان يسير فى الطريق الخطأ لكى تكون كاسرة عينه و ماسكة عليه ذلة و اذا ارادت الحكومة ان تجد قضايا للثمانين مليون مواطن و بأسباب فعلية لخرق القانون و بوقائع فساد حقيقة فانها ستفعل ذلك بكل بساطة

و تتجه الحكومة لأجبارك على السير فى الطريق الخطأ ومخالفة القانون بعدة اساليب من ابرزها هو ان القانون فى حد ذاته يكون غير واقعى لا يناسب ظروف الحياة او يكون غامضا و يقبل التأويل بأكثر من معنى او يكون متناقض مع قانون اخر او يكون غير معروف اصلا و عندما تخالفه تفاجأ ان هناك قانون يجرم هذا الفعل الذى كنت تظنه فعل عادى و طبيعى و لهذا فان مهنة المحاماة من اكثر المهن التى اراها شخصيا جديرة بالاعجاب لان المحامى فى مصر يمتلك ميزة معرفة القانون الذى نخضع له جميعا و خفاياه و اسراره و كيف يمكن ان تلاعبنا الحكومة بهذا القانون و يعرف ايضا ماهى الحيل و الأ لاعيب المتبعة لتكييف و تأويل هذه القوانين و للأسف فأن حقيقة ان القوانين فى حد ذاتها ملتوية و قابلة للتأويل فان هذا يجعل حظ المحامى المستقيم الذى يرغب فى تطبيق القانون كما هو فى مصر قليل بل يجب ان يكون محامى عقر..حرك و يلعب بالثلاث ورقات كما يقولون لكى يستطيع ان يطوع القانون و يجد الثغرات فيه لصالح موكله سواء كان هذا الموكل على حق ام لا ..و هذه فى الواقع قضية مختلفة تتعلق بمفهوم مهنة المحاماة فى حد ذاته

الخلاصة ان القواعد او القوانين التى تنظم هذا المجتمع و التى من المفروض ان تكون هى المرجع الذى نرجع اليه و يسرى علينا جميعا لتمييز الحق من الخطأ و انصاف المظلوم على الظالم و استيفاء الحقوق لاصحابها..هذه القواعد و القوانين معيوبة و منقوصة و متناقضة بل و اسوء من ذلك غامضة و غير معروفة للأغلبية و بالتالى فأن ان تحاول ان تعبش طبقا لهذه القوانين و القواعد هو ضرب من ضروب العبث و لا يوجد امامك الا ان تكيف اوضاعك بطريقة ما لكى تستطيع ان تعيش وفقا لهذه القوانين و القواعد...البعض يلجأ لفرض قواعده الخاصة و فقا لما يراه هو صحيح او خطأ مستغلا فى ذلك النفوذ او المال..و الأغلب يترك نفسه مضطرا للتيار و للظروف توجهه كيفما تشاء و قد يلجأء الى شخص ذو معرفة هنا..او دفع اكرامية هناك..او قد يلجأ لمحامى يعرف قواعد اللعبة جيدا لكى يعبر به سالما و يعفى نفسه من الخوض فى بحر قذارة و التواء القوانين مقابل المبلغ المحترم الذى سيدفعه للمحامى

المشكلة الرئيسية ان احتراف التكيف مع هذا الوضع و الرضى بهذه القوانين و القواعد الفاسدة و الغير متوافقة مع اوضاعنا الحياتية يكرس و يرسخ استمرار هذه القوانين فبرغم تكيفنا مع وجودها و التفافنا حولها الا اننا سنظل فى جميع الاحوال واقعين تحت سيطرتها و نفوذها اذا اراد من فى يده تطبيق هذه القوانين ان يطبقها علينا..فكما تتركنا الحكومة نلتف حول هذه القوانين فبأمكانها ان تطبقها علينا اذا ارادت و بالتالى فان استمرار الوضع كما هو عليه و التكيف معه ليس هو الحل ..بل الحل هو رفض التكيف معه من الاساس و رفض الانصياع لاجبار الحكومة لنا على السير فى الطريق الخطأ فهذا وحده كفيل بخلق حالة من المقاومة لهذه القوانين و القواعد الفاسدة لكى تتكيف هى و يتم تعديلها لكى تتوافق مع واقعنا و حياتنا و احتياجتنا..و الى ان يحدث ذلك سنظل نعيش فى ظل قانون مشوه يكرس العشوائية و الفساد و الفوضى و لا يمانع فى تطبيق شريعة الغاب...قانون يخضع للأهواء الشخصية لمن يمتلك القوة و النفوذ و المال...قانون ايكا